اليمن: بلد الـ "لا مستحيل" والـ "كل شيء جائز بموجب بند المكتوب!"
في معجم السياسة العالمية، هناك مصطلحات ثابتة: ديمقراطية، دكتاتورية، تكنوقراط، فيدرالية. أما في اليمن، فقد اخترعنا نظاماً سياسياً فريداً ومسجلاً ببراءة اختراع يمنية خالصة، يمكن تسميته بنظام "السهالة والبركة"، أو سياسة "دبر نفسك والملتقى عند الموزع". نحن البلد الوحيد الذي يثبت يومياً أن القوانين السياسية والفيزيائية ليست سوى "وجهة نظر" قابلة للنقاش والتحكيم القبلي.
إذا أردت أن تفهم السياسة اليمنية، عليك أولاً أن تتخلى عن المنطق؛ فالمنطق في اليمن يُعتبر "مُخرّب للمزاج". خذ عندك مثلاً مفهوم "المسؤول الحكومي". في بقية دول العالم، المسؤول يداوم في مكتبه، وتلاحقه الصحافة لمحاسبته. أما المسؤول اليمني، فهو كائن هلامي، قد تجده يمارس مهامه السيادية من مقهى في القاهرة، أو فندق في الرياض، أو عبر منشور في "الفيسبوك" يختمه بعبارة "والعاقبة للمتقين". وإذا عُيّن مسؤول في منصب ما، يسارع المواطنون لتهنئته ليس لأنه سيخدم الوطن، بل لأن "الله فتح عليه وسيفك الضيقة عن أهله وقبيلته".
أما عن الاقتصاد والعملة، فاليمن يمتلك النظرية الاقتصادية الأكثر دهاءً في التاريخ الحديث. لدينا طبعتان من نفس العملة؛ واحدة تجعل القيمة الشرائية للريال تبدو وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، والأخرى تتعامل بروح "الزمن الجميل" وكأننا ما زلنا في التسعينيات. المواطن اليمني يحتاج اليوم إلى آلة حاسبة، وكتاب أحراز، وفنجان قهوة ثقيل ليحسب كم سيكلفه شراء "كيس دقيق" بناءً على الموقع الجغرافي وبنك الإصدار ومزاج الصرّاف في الحارة.
ولا يمكن أن نتحدث عن السياسة اليمنية دون المرور بـ "جلسة القات"، البرلمان الحقيقي غير المنتخب. في المقيل، يتم حل القضية الفلسطينية، وتفكيك أزمات الشرق الأوسط، وإعادة هيكلة الاقتصاد العالمي، وتوزيع الحقائب الوزارية القادمة. الكل يتحدث برتبة "محلل استراتيجي وخبير عسكري"، وعندما يؤذن المغرب وتبدأ مرحلة "السليماني" (انقشاع مفعول القات)، يلتفت الجميع حولهم ليتساءلوا بذهول: "من يشتي يوصّلي معه في الموتر؟".
العجيبة الكبرى تتجلى في خطابات الساسة بجميع أطرافهم؛ فالجميع يتحدث عن "صمود الشعب العظيم" و"تضحياته"، والجميع يعد بالرخاء والمستقبل المشرق، بينما المواطن المسكين يبحث عن مستقبل مشرق في المولد الكهربائي التجاري الذي يطالبه بتسديد الفاتورة بالدولار! الشعب اليمني صامد فعلاً، ليس لأنه اختار الصمود، بل لأنه بحث عن مخرج ولم يجد حجزاً على الطيران، ولأن الفيزا إلى أي مكان في العالم تحتاج إلى "معجزة" تتطلب موافقة مجلس الأمن بالإجماع.
يظل اليمن بلد العجائب والغرائب سياسياً؛ ففيه يضحك الناس وسط الأزمات، ويسخرون من جلاديهم، ويفشلون كل نظريات العلوم السياسية الحديثة. إنه البلد الذي يعيش برعاية إلهية مباشرة، فكلما قال الخبراء "إنها النهاية"، يخرج اليمني من تحت الأنقاض، ينفض الغبار عن ثوبه، ويبحث عن أقرب مقيل ليقول: "أبشرك.. الأمور سابر!"