الإرهاب الأمريكي في قطاع غزة .. من الدعم الكامل لجرائم إسرائيل إلى "حمل وديع" ينشد التهدئة
بدأت الولايات المتحدة الامريكية بعد مرور 40 يومًا من دعمها المطلقة ومشاركتها في ارتكاب جرائم ضد الانسانية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، بدأت تعزف على نغمة دعمها لجهود إيجاد هدن إنسانية وإرسال المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
وشهدت الأيام القليلة الماضية، تناقضات أمريكية عديدة فيما يتعلق بمواقفها من الحرب على غزة، ففي حين يؤكد الرئيس الأمريكي جو بايدن حق إسرائيل في استباحة الدعم الفلسطيني في اطار ما اسماه الدفاع عن نفسها، قال مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض جيك سوليفان: إن "الولايات المتحدة لا تريد نشوب اشتباكات مسلحة داخل مستشفيات قطاع غزة، مما يعرض حياة المدنيين للخطر"، مشيرا إلى أن واشنطن نقلت وجهة نظرها إلى القوات الإسرائيلية.
كما هو واضح من تصريحات المسؤولين الأمريكيين، فإن التراجع في تأييدها على مستوى العالم نتيجة مواقفها العدائية والإرهابية بشأن الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة، الامر الذي يجعلها تدخل دائرة البلدان المراوغة بشأن الحقوق والحريات وليست الداعمة والراعية لها كما كانت تدعي خلال العقود الماضية.
لا تبرير .. لا تغطية
وفيما تحاول واشنطن تجميل مواقفها بالادعاء انها تعارض استمرار منع دخول المساعدات إلى غزة، وكذا اقتحام المستشفيات، كما قال مسؤول الامن القومي " سوليفان"، في تصريح لشبكة "سي.بي.إس نيوز " الامريكية، بأن الولايات المتحدة لا تريد أن ترى معارك بالأسلحة النارية في المستشفيات حيث يقع الأبرياء والمرضى الذين يتلقون الرعاية الطبية في مرمى النيران، وانهم اجروا مشاورات جادة مع الجيش الإسرائيلي في هذا الشأن".
فإن ذلك لا ينسي العالم وفي مقدمتهم الفلسطينيين المواقف الامريكية التي نفت ارتكاب اسرائيل الهجوم على مستشفى المعمداني في غزة بـ 17 اكتوبر الماضي والتي راح ضحيتها أكثر من 500 مدني معظمهم من الاطفال والنساء.
وحاليًا يواجه مستشفى الشفاء والمستشفيات الأخرى في شمال غزة صعوبات في تقديم الرعاية للمرضى بعدما أصبحت المنشآت الطبية محور الحرب التي تشنها إسرائيل منذ أكثر من شهر بهدف القضاء على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وتحرير الرهائن الذين يحتجزهم مسلحو الحركة الفلسطينية. ويصاب المزيد من الأشخاص يوميا بسبب القصف الإسرائيلي العنيف.
ورغم ذلك لم يخف المسؤول الامريكي "سوليفان" في تصريحاته الاخيرة، النزعة الارهابية للقيادة الامريكية تجاه الفلسطينيين، حيث قال "إن هناك معلومات تشير إلى أن "حماس تستخدم المستشفيات لأغراض القيادة والسيطرة وتخزين الأسلحة وإيواء مقاتليها شأنها شأن العديد من المرافق المدنية الأخرى. هذا انتهاك لقوانين الحرب".
توجه انتخابي.. لا انساني
وشكّل التوجه الأمريكي الأخير الرامي إلى ايجاد هدن انسانية في قطاع غزة، مادة انتخابية للرئيس الامريكي الحالي جو بادين، الذي دعا خلال إحدى فعاليات الحملة الانتخابية في الثاني من نوفمبر الجاري، إلى وقف مؤقت للعدوان على غزة، بعد أن واجهه أحد المعترضين الذين يطالبون بوقف إطلاق النار.
استخدام بايدن او ارغامه لتبني نزعة سلام مشكوك فيها تجاه ابناء فلسطين خلال فعاليته الانتخابية، دفع البيت الأبيض في وقت لاحق إن أي توقف للقتال يجب أن يكون مؤقتا ومحدد المكان، رافضا دعوات الدول العربية ودول أخرى لوقف كامل لإطلاق النار.
وفي اليوم التالي، غادر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في زيارة ثانية إلى تل أبيب للضغط من أجل وقف إنساني للحرب، ومناقشة خطوات ملموسة لتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين في غزة.
ويتخوف باؤدين من امتناع الشباب الأمريكي والناخبين من أصول ملوّنة، الذهاب إلى صناديق الاقتراع نتيجة مواقفه وادارته من الحرب على غزة وتأييده المطلق للجرائم الاسرائيلية بحق الفلسطينيين، الامر الذي سيعني حتمًا التقليل من فرص فوزه، في وقت الذي كانت فرصه متساوية مع المرشحين الاخرين.
تغيير زماني..
واعتبر مراقبون للمواقف الامريكية من حرب على غزة، التغيير في مواقف الادارة الامريكية الحالية ورئيسها بايدن، تغيير زماني يتماشى فقط مع الانتخابات الرئاسة الامريكية المقبلة، وليس تغيير استراتيجيا حقيقيا مبني على حقائق انسانية وحقوقية بأن إدارته ارتكبت جرائم ضد الفلسطينيين بغزة من خلال دعمها لاسرائيل.
ويرى المراقبون، بأن الانقسام القائم في المجتمع الأمريكي عمومًا بشأن مواقف الادارة الامريكية لاسرائيل بعد مشاهدتهم الجرائم التي ترتكبها بحق المدنيين من الاطفال والنساء في غزة، دفع بايدن وحزبه الديمقراطي إلى هذا التغيير الغير حقيقي.
ورغم هذا التغيّر الكبير والملحوظ في موقف الرأي العام الأمريكي، على الأقل من ناحية بروز أصوات مؤيّدة لفلسطين بشكل واضح وغير مسبوق، فإنّ المعركة مع المؤسسات الحاكمة في أمريكا ومن يسيطرون على وسائل الإعلام التي تسعى لصياغة الرأي العام ستبقى شديدة الشراسة والضراوة، فالعدد القليل من أعضاء مجلس النواب (18 من بين 435) الذي تجرّأ ورفض القرار الذي صدر بعد أيام من اندلاع الحرب بإعلان الدعم المطلق للكيان الصهيوني و"حقّه في الدفاع عن النفس"، يتعرض لهجوم شرس ومطالبات بإسقاط عضويتهم في المجلس، وعلى رأسهم بالطبع النائبة الأمريكية من أصل فلسطيني، رشيدة طليب، وكذلك إلهان عمر وإلكسندرا كورتيز.
شريك في الارهاب
اليوم، وبعد أن حولت الالة الاسرائيلية – الامريكية قطاع غزة إلى ركام، وأدت إلى مقتل واصابة أكثر من 45 الف فلسطيني جلهم من الاطفال والنساء، لا يمكن اعتبار مواقف الولايات المتحدة من الحالات الانسانية أمرا يعتد به او يعفيها من تحمل مسؤولياتها الكاملة حول تلك الجرائم الارهابية التي ارتكبت بسلاحها ودعمها المالي والسياسي للكيان الصهيوني.
فخلال الفترة التي تلت عملية "طوفان الاقصى" بالسابع من اكتوبر لماضي، لم تتردد الولايات المتحدة، في إمداد إسرائيل عبر جسور جوية بدبابات وطائرات وذخائر وصواريخ ودفاعات جوية، لتمكينها من المضي في إلحاق خسائر فادحة بالعرب، خصوصاُ الفلسطينيين.
والأدهى من ذلك وفقا لمراقبين دوليين، تشجيع واشنطن لسعي إسرائيل إلى تهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء المصرية وضغطها على الحكومة المصرية لتقبل ذلك، الا ان الموقف المصري الرافض ما زال صامدًا.
ويرى المراقبين، بأن لولايات المتحدة لا تستحي ان تبدل من مواقفها كما هو الحال مع مسؤول دبلوماسيتها الاول انتوني بلكن الذي بات يتحدث عن الحالات الانسانية في غزة، وهو أول من أكد لإسرائيل الدعم المطلق في استباحة الدم الفلسطيني في غزة عقب طوفان الاقصى، وأجاد تمثيل دور المتأثر حزناً خلال مؤتمره الصحفي الاول في تل ابيب عقد الطوفان، بالكذبة التي روج لها الإسرائيليون عن قطع مقاتلي "حماس" رؤوس أطفال إسرائيليين، وهي كذبة ثبت بطلانها.
أما وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن فقال في مؤتمر صحافي مع نظيره الإسرائيلي يوآف غالانت بعيد وصوله إلى إسرائيل: "تظل الولايات المتحدة عازمة على تزويد إسرائيل بالوسائل الضرورية لحماية أمنها، وستضمن حصولها على ما تحتاجه للدفاع عن نفسها". وأشار أوستن إلى حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد فورد ـ وهي الأكبر في العالم ـ والسفن الحربية المرافقة لها قائلاً إنها أرسلت إلى شرق البحر المتوسط مع اسراب طائرات مقاتلة “لتعزيز الأمن الإقليمي”. وأضاف: “وزارة الدفاع الأمريكية مستعدة تماماً لنشر قدرات (عسكرية) إضافية حسب الحاجة.. الولايات المتحدة تحمي ظهر إسرائيل. هذا أمر غير قابل للتفاوض”. وأشار أوستن ليل السبت (14 أكتوبر) إلى وجود حاملة الطائرات الأمريكية الأخرى “أيزنهاور” والسفن الحربية المرافقة لها في شرق البحر المتوسط قائلاً، إن هذا تعبير عن التزام أمريكا الأكيد بأمن إسرائيل.
وهكذا تظل سياسة الولايات المتحدة منذ عقود؟ وتسامح أمريكي تجاه قضم إسرائيل الأراضي الفلسطينية منذ عقود؟ وتعيين وسطاء أمريكيين صهاينة في عملية سلام زائفة منذ عقود؟ وهذه هي الحقيقة الراسخة في أذهان جميع شعوب المنطقة، فلا يمكن ان تتبدل مع تبدل تصريحات مسؤولين الولايات المتحدة التي تدلي بتصريح انساني، في حين طائراتها واسلحتها تشن غارات على غزة وسورية ولبنان.