من يحمي اليمن من التمزق؟.. قراءة في أخطر رسائل أحمد علي عبدالله صالح

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في بلدٍ أنهكته الحروب، واستنزفته المشاريع الصغيرة، وتحول فيه الانقسام من أزمة سياسية إلى واقع يهدد الدولة والهوية معًا، لم يعد الحديث عن الوحدة اليمنية مجرد مناسبة بروتوكولية تُستعاد فيها الخطب والأغاني، بل أصبح حديثًا عن بقاء اليمن نفسه، وعن السؤال الذي يلاحق اليمنيين اليوم: هل سيظل الوطن موحدًا، أم يتحول إلى خرائط نفوذ وأجندات متصارعة تتقاسم الجغرافيا والسيادة؟

ولهذا بدا خطاب نائب رئيس حزب المؤتمر الشعبي العام أحمد علي عبد الله صالح، بمناسبة العيد السادس والثلاثين للجمهورية اليمنية، أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف المعركة اليمنية الحقيقية، ووضع الجميع أمام لحظة مصارحة وطنية لا تحتمل المجاملة أو تدوير الأزمات.
كثيرون تحدثوا في ذكرى الجمهورية اليمنية، غير أن خطاب أحمد علي عبد الله صالح لم يكن مجرد تهنئة موسمية عابرة، بل جاء بلغة سياسية مباشرة وحادة، حاولت تقديم قراءة واقعية لمشهد يمني يتآكل من الداخل.
فالخطاب لم يكتفِ بوصف الأزمة، بل سعى إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة التي تكاد تضيع وسط المحاصصة والصراعات الضيقة والتجاذبات الإقليمية. وفي بلدٍ أثقلته سنوات الحرب، لم يعد الحديث عن الوحدة ترفًا سياسيًا أو حنينًا للماضي، بل قضية وجود وهوية ومصير.
واللافت أن الخطاب ابتعد عن اللغة التعبوية والشعارات المستهلكة التي سئمها اليمنيون طوال سنوات الصراع، وانطلق من فكرة واضحة: لا شرعية بلا دولة، ولا دولة بلا شعب، ولا وطن مع الارتهان للخارج.
وحين يتحدث أحمد علي عبد الله صالح عن أن "شرعية أي سلطة تستمد قوتها من حضورها في الوطن والتصاقها بالمواطن"، فهو يوجه نقدًا مباشرًا لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن إدارة وطن ينهار لا يمكن أن تتم من خلف أبواب الفنادق أو من العواصم البعيدة.
فالشرعية ليست بيانات دعم دولية أو اعترافات سياسية، بل حضور فعلي بين الناس، ومشاركة المواطن معاناته اليومية، من انقطاع الخدمات إلى تدهور المعيشة واتساع دائرة الخوف والتعب.
ومن هنا حاول الخطاب استعادة المعنى الحقيقي للدولة؛ فالدولة ليست أعلامًا ومبانٍ رسمية، بل مؤسسات فاعلة، ورواتب منتظمة، وقانون يسري على الجميع، وجيش وطني موحد يحمي البلاد بدلًا من تشظيها بين الولاءات المتصارعة.
ولهذا جاءت الإشارة إلى صرف المرتبات وتحسين الخدمات باعتبارهما جزءًا أساسيًا من استعادة هيبة الدولة، لأن الشعوب المنهكة لا تبحث عن خطابات مرتفعة النبرة بقدر ما تبحث عن الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار.
وفي السياق ذاته، أثبتت تجارب العراق وسوريا وليبيا ولبنان أن سقوط الدول لا يبدأ بانهيار العواصم، بل حين تتفكك فكرة الوطن نفسها، وتتحول الطوائف والمناطق والمليشيات إلى بدائل عن المؤسسات الوطنية.
واليمن يقف اليوم أمام هذا المنعطف الخطير؛ فالأزمة لم تعد أزمة موارد فقط، بل أزمة إدارة وغياب مشروع وطني جامع. فاليمن بلد غني بموقعه وثرواته وكفاءات أبنائه، لكنه أُنهك بسياسات المحاصصة التي حولت مؤسسات الدولة إلى غنائم تتقاسمها مراكز النفوذ.
ومن هذا المنطلق، جاءت الدعوة إلى تفعيل القانون وتوحيد القوات المسلحة والأمنية على أسس مهنية بعيدًا عن الولاءات الطائفية والمناطقية والحزبية، باعتبارها حجر الأساس لأي مشروع حقيقي لاستعادة الدولة.
فبدون جيش وطني موحد يخضع لدستور واحد، ستظل البلاد رهينة أمراء الحرب ومراكز القوى التي تتبادل النفوذ على حساب شعب جائع ومثقل بالجراح. وهذه ليست تفاصيل إدارية، بل جوهر أي مشروع لإنقاذ اليمن من الانهيار.
الوحدة اليمنية، كما حاول الخطاب التأكيد، لم تكن مشروع سلطة عابرًا أو صفقة سياسية مؤقتة، بل ثمرة نضال طويل وتضحيات كبيرة قدمها اليمنيون شمالًا وجنوبًا، وما تزال تمثل صمام الأمان في مواجهة مشاريع التمزق والارتهان للخارج.
وفي البعد الوطني والقومي، أعاد الخطاب التأكيد على قضية السيادة الوطنية، في ظل ما يواجهه اليمن من مشاريع تفكيك وأجندات عابرة للحدود، ودعوات انفصالية تتوهم أن الخلاص يكمن في الانقسام.
وحين يتحدث الخطاب عن "رفض مشاريع التمزق والارتهان"، فهو لا يخاطب الداخل اليمني فقط، بل يوجه رسالة إلى الإقليم أيضًا بأن اليمن ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات أو بلدًا قابلًا للتجزئة وفق خرائط النفوذ المؤقتة.
فالدول حين تضعف، تتحول ثرواتها وموانئها وجزرها إلى ملفات مساومة، بينما تصبح السيادة مجرد عنوان هش في البيانات السياسية.
ومن زاوية أوسع، فإن بقاء اليمن موحدًا لا يمثل شأنًا داخليًا فحسب، بل يرتبط بالأمن القومي العربي، نظرًا لما يمثله اليمن من أهمية استراتيجية في البحر الأحمر ومحيطه الإقليمي، وأي انهيار فيه سيفتح أبوابًا طويلة للفوضى وعدم الاستقرار.
ولذلك فإن الدفاع عن الدولة اليمنية هو، في جوهره، دفاع عن فكرة الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع التفكيك والطائفية والمليشيات العابرة للحدود.
كما حمل الخطاب لمسة وفاء سياسية ووطنية من خلال الترحم على صانع ومحقق الوحدة، الزعيم الشهيد علي عبد الله صالح، وكافة القيادات الوطنية، في محاولة لتذكير اليمنيين بزمن كانت فيه الدولة، رغم كل التحديات، مظلة جامعة للجميع.
واليوم، لم تعد الحلول تحتمل مزيدًا من المناورات أو تدوير الأزمات، كما أن الخيارات باتت أكثر ضيقًا وخطورة: إما الانزلاق نحو التفكك والتبعية، وإما الشروع في مصالحة وطنية شاملة تعيد بناء الثقة عبر حوار مسؤول ينهي لغة التخوين والإقصاء.
والخلاصة التي يحاول الخطاب ترسيخها أن المؤتمر الشعبي العام ما يزال يقدم نفسه بوصفه قوة توازن وطنية متمسكة بالثوابت، وتسعى إلى إحياء الخطاب الوطني في زمن الانقسامات الحادة.
فالمعركة اليوم لم تعد بين أحزاب وشخصيات، بل بين مشروع دولة ومشاريع انهيار، وبين وطن يحاول النهوض من تحت الركام وخرائط مؤقتة تصنعها الحروب ثم تبتلع أصحابها.
ولهذا، فإن أولوية المرحلة لم تعد في إنتاج شعارات جديدة، بل في حماية سيادة الوطن ووحدته، وتحسين حياة الناس عبر صرف المرتبات واستعادة الخدمات الأساسية التي أصبحت بالنسبة للمواطن حلمًا يوميًا مؤجلًا.
واليمن، رغم كل الجراح والانكسارات، سيبقى موحدًا بإرادة أبنائه، متى ما ارتفعت القوى السياسية إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وتوقفت عن العبث بمقدرات شعب دفع أثمانًا باهظة من دمه وكرامته ومستقبله.
وفي النهاية، يمكن قراءة هذا الخطاب باعتباره محاولة لإحياء الخطاب الوطني اليمني في زمن التمزق، وتأكيدًا على أن المعركة الحقيقية لم تعد بين الأشخاص والأحزاب، بل بين فكرة الدولة وفوضى الانهيار، وبين وطن يحاول النجاة وخرائط عابرة تصنعها الحروب ثم تختفي فوق أنقاض الأوطان.