اليمن على حافة المجاعة: نصف السكان يواجهون الجوع وأزمة الغذاء تتفاقم بسرعة

اليمن على حافة المجاعة: نصف السكان يواجهون الجوع وأزمة الغذاء تتفاقم بسرعة
مشاركة الخبر:

تؤكد أحدث البيانات الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين أن اليمن أصبح ثالث أكبر أزمة غذائية في العالم، حيث يواجه نصف سكانه الجوع المزمن، بينما يعاني ما يقرب من 50% من الأطفال دون سن الخامسة من سوء التغذية المزمن، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المستمرة في القرن الحادي والعشرين.

وفي يوم الغذاء العالمي، أطلقت المنظمات الدولية والوطنية العاملة في اليمن نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي والجهات المانحة من أجل اتخاذ إجراءات فورية وشاملة لاحتواء أزمة الجوع المتصاعدة، محذّرة من أن التأخر في الاستجابة سيؤدي إلى نتائج كارثية تهدد حياة الملايين.

أرقام صادمة ومناطق منكوبة

تشير البيانات إلى أن واحدة من كل ثلاث أسر في اليمن تعاني من الجوع بدرجات متوسطة إلى شديدة، وأن أكثر من 100 مديرية تواجه الآن حالة طوارئ غذائية حرجة — وهي زيادة غير مسبوقة منذ بداية النزاع قبل أكثر من تسع سنوات.

وفي محافظة حجة، وبالتحديد في مديرية عبس، تم تسجيل حالات وفاة لأطفال بسبب الجوع، مع ارتفاع معدلات سوء التغذية إلى مستويات مقلقة. وتشير التقديرات إلى أن معدلات سوء التغذية الحاد سترتفع بنسبة تتراوح بين 15 و30% في محافظتي الحديدة وتعز بحلول نهاية هذا العام.

ويتوقع خبراء الأمن الغذائي أنه بحلول مطلع عام 2026، سيواجه أكثر من 18 مليون يمني انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، بينهم نحو 41 ألف شخص معرضون لخطر المجاعة المباشر، ما لم تُتخذ تدابير عاجلة لتوفير الغذاء والمساعدات الإنسانية.

حياة على حافة البقاء

تعيش ملايين الأسر اليمنية اليوم خيارات مستحيلة بين الجوع والبقاء.

الآباء يتخطون وجباتهم اليومية لإطعام أطفالهم، ويبيعون ما تبقى من ممتلكاتهم أو ماشيتهم لتأمين لقمة العيش.

تقول أم من محافظة الضالع:

"هناك أيام أرسل فيها ابنتي إلى منزل جدها حتى تتمكن من تناول الطعام، بينما أبقى بدونها. وفي أيام أخرى، نكتفي بالخبز والشاي فقط. كأم، هذا يكسرني."

هذه المآسي اليومية لا تقتصر على الجوع وحده، بل تمتد آثارها إلى تدمير مستقبل جيل كامل من الأطفال. فمع سوء التغذية المزمن، يُحرم الأطفال من نموهم البدني والعقلي الطبيعي، وتزداد احتمالات تعرضهم لأمراض دائمة، فضلًا عن اضطرار آلاف الأسر إلى إخراج أطفالها من المدارس أو تجنيدهم للعمل المبكر أو الزواج القسري كمحاولة يائسة للبقاء.

الأسباب العميقة: الحرب والمناخ والانهيار الاقتصادي

تعود جذور أزمة الجوع في اليمن إلى تداخل معقد من العوامل، أبرزها الحرب المستمرة منذ نحو عقد، والانهيار الاقتصادي الحاد، إضافة إلى تأثيرات التغير المناخي وندرة المياه.

لقد أدت سنوات النزاع إلى انهيار البنية التحتية وسبل العيش، وتقييد الوصول إلى الخدمات الصحية والتغذوية الأساسية. كما أدى انخفاض قيمة العملة المحلية وارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى جعل الغذاء خارج متناول ملايين الأسر.

وخلال شهر أغسطس الماضي، تسببت السيول المفاجئة في تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وإبادة أعداد كبيرة من الماشية، ما فاقم من أزمة الغذاء في المناطق الريفية.

وتحذر منظمات الإغاثة من أن النساء والفتيات هن الأكثر تضررًا من تداعيات الجوع، إذ تتحمل الكثيرات عبء إعالة أسرهن في ظل غياب فرص العمل، ما يجعلهن أكثر عرضة للعنف وسوء المعاملة.

نداء عاجل للتحرك

دعت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى زيادة التمويل الطارئ لبرامج الأمن الغذائي والتغذية، وتوسيع نطاق التدخلات الإنسانية العاجلة في المناطق الأشد تضررًا، إلى جانب دعم جهود التعافي الاقتصادي المحلي وتعزيز القدرة على الصمود أمام الأزمات المناخية.

وأكدت هذه المنظمات أن معالجة الجوع في اليمن تتطلب حلولًا شاملة تتجاوز الإغاثة الفورية، وتشمل وقف الحرب، واستقرار الاقتصاد، وتمكين المجتمعات المحلية من إعادة بناء سبل عيشها.

"أزمة اليمن ليست أزمة غذاء فقط، بل أزمة عدالة وإنسانية"،

يقول أحد ممثلي المنظمات الإنسانية، مضيفًا:

"لا ينبغي لأي طفل في هذا العالم أن ينام جائعًا — لكن في اليمن، أصبح الجوع هو القاعدة لا الاستثناء."