الحوثيون ورواتب الموظفين .. سياسة التجويع كأداة للسيطرة
في اليمن ،اليوم، لا يحتاج المواطن إلى كثير من التحليل ليفهم ما يجري حوله. فالمشهد واضح: سلطة تملك المال والجباية والسلاح، وشعب يعيش بلا رواتب منذ سنوات. وبين الاثنين تتسع فجوة إنسانية وأخلاقية يصعب تبريرها بأي منطق سياسي أو اقتصادي.
قصة رواتب الموظفين في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي لم تعد مجرد أزمة مالية عابرة، بل تحولت إلى سياسة حكم. ملايين الموظفين، يقدَّر عددهم بأكثر من 2.5 مليون موظف، انقطعت رواتبهم منذ أكثر من عقد من الزمن، ومعهم ملايين الأسر التي كانت تعتمد على تلك المرتبات كمصدر دخل أساسي.
في المقابل، تعيش قيادات المليشيا واقعاً مختلفاً عن وطأة الأزمة التي يرزح تحتها الناس. فالمشهد يكشف عن مفارقة قاسية؛ إذ اتسع الفارق بين حياة القيادات المليشياوية النافذة وحياة الموظفين العاديين. هناك، حيث النفوذ والسلطة، تتوفر الامتيازات وتتكاثر الموارد، بينما يقف الموظف البسيط في الضفة الأخرى من الواقع، مثقلاً بعبء المعيشة وضيق الحال.
السؤال الذي يطرحه كثير من اليمنيين بسيط: كيف يمكن لسلطة تدّعي الحكم أن تحرم موظفيها من رواتبهم كل هذه السنوات؟ وكيف يمكن تبرير هذا الواقع في بلد يعيش شعبه واحدة من أصعب الأزمات الإنسانية في العالم؟
ما حدث في اليمن خلال السنوات الماضية يكشف مساراً متدرجاً من إضعاف المجتمع اقتصادياً. البداية كانت بقطع رواتب الموظفين، وهي ضربة قاسية للطبقة الوسطى التي كانت تمثل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي. فعندما يفقد الموظف دخله، لا يخسر فقط راتبه، بل يخسر معه قدرته على إعالة أسرته وتعليم أطفاله وتأمين احتياجاته الأساسية.
ثم جاءت خطوة تجميد ودائع المواطنين في البنوك ومنعهم من التصرف بأموالهم أو الاستفادة منها، وهو ما هزّ الثقة بالنظام المصرفي وأدى إلى شلل جزء كبير من الدورة المالية.
بعد ذلك اتجهت السلطة إلى التضييق على عمل المنظمات الإنسانية. وفي بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات، فإن تقليص دور تلك المنظمات يعني ببساطة تقليص فرص النجاة لكثير من الأسر الفقيرة.
وفي ظل هذه البيئة الاقتصادية المضطربة، كان من الطبيعي أن نشهد هروب رأس المال الوطني؛ فالمستثمرون والتجار لا يستطيعون العمل في بيئة مليئة بالجبايات والرسوم والمضايقات، ومع ركود الأسواق أصبح نقل الأعمال إلى الخارج خياراً أقل خطورة من البقاء.
كما ضاعفت مليشيا الحوثي الجبايات على البضائع الداخلة إلى مناطق سيطرتها. وهذه الجبايات لا يدفعها التاجر وحده، بل يتحملها المواطن في النهاية عبر ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
وفي جانب آخر تحولت الزكاة، التي يفترض أن تكون شبكة أمان للفقراء، إلى مورد تتحكم به المليشيا وتعيد توزيعه وفق اعتبارات الولاء لا وفق معايير الحاجة.
أما القضية الأكثر إثارة للجدل فتمثلت في التمييز في صرف الرواتب، حيث تحصل فئات محددة على مرتباتها بانتظام، بينما يُترك ملايين الموظفين الآخرين بلا دخل ولا أفق واضح.
النتيجة النهائية لهذه السياسات كانت واضحة: اتساع الفقر، وتراجع الاقتصاد، وتآكل الطبقة الوسطى، وتزايد اعتماد الناس على المساعدات. وهي معادلة خطيرة لأي مجتمع.
المفارقة أن هذه الأزمة تتجلى بوضوح في مواسم يفترض أن تكون أوقات تضامن وفرح، مثل شهر رمضان وعيد الفطر. ففي الوقت الذي تستعد فيه المجتمعات عادة للاحتفال، يجد كثير من الموظفين اليمنيين أنفسهم عاجزين عن تلبية أبسط احتياجات أسرهم.
وهنا يعود السؤال الأخلاقي قبل السياسي: كيف يمكن أن يعيش مجتمع كامل بلا رواتب لسنوات؟