طهران تحلم بالهيمنة وصواريخها تكشف حقدها على الخليج
منذ سقوط نظام حزب البعث في العراق عام 2003، وجدت إيران فرصة واسعة للتمدد في الفضاء العربي. فقد استغلت الفراغ السياسي والأمني الذي أعقب ذلك الحدث لتوسيع نفوذها الإقليمي، ليس فقط عبر العلاقات السياسية، بل من خلال بناء شبكة من الأدوات والوكلاء لها في عدد من الدول العربية مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن. هذه الأذرع تحولت مع مرور الوقت إلى أدوات تخريب، بما يتيح لطهران حضوراً عسكرياً وسياسياً يتجاوز حدودها الجغرافية.
ولم يكن هذا التمدد خافياً أو غامضاً في أهدافه. فخطاب قادة الحرس الثوري الإيراني خلال السنوات الماضية تحدث مراراً عن مشروع نفوذ واسع في المنطقة، وهو ما يراه كثيرون محاولة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في الشرق الأوسط. وتستشهد هذه القراءة بما شهدته دول الخليج من هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت حيوية وبنى تحتية اقتصادية، في مشهد يعكس مستوى التصعيد الإقليمي.
في المقابل، كانت دول الخليج تدرك حساسية المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ولذلك أعلنت مواقف واضحة تؤكد رفض استخدام أراضيها كنقطة انطلاق لأي هجمات عسكرية ضد إيران. غير أن اندلاع المواجهة العسكرية بين الأطراف الكبرى أعقبه تصعيد إيراني استهدف منشآت ومرافق داخل دول الخليج، الأمر الذي أثار تساؤلات حول طبيعة هذه الضربات وأهدافها الحقيقية.
فالقصف الذي يطال المنشآت النفطية والمطارات والمناطق الصناعية والأبراج الاقتصادية في دول الخلبج جلا يمكن تفسيره فقط باعتباره رداً على قواعد عسكرية أجنبية، بل يراه كثير من المحللين استهدافاً مباشراً لمسار التنمية والازدهار الذي حققته دول الخليج خلال العقود الأخيرة. هذه الدول التي تحولت إلى مراكز اقتصادية وتجارية عالمية أصبحت، في نظر منتقدي السياسة الإيرانية، جزءاً من معادلة الصراع الإقليمي.
وعندما وجد النظام الإيراني نفسه في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل قام بتوسيع دائرة الصراع لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى، في محاولة لإعادة رسم موازين القوى. غير أن هذا الرهان يواجه واقعاً مختلفاً؛ فشعوب المنطقة، التي عايشت حروباً وصراعات طويلة، باتت أكثر إدراكاً لكلفة الانزلاق إلى نزاعات واسعة قد تعصف بمكتسبات التنمية والاستقرار.
ومع تصاعد التوترات، يتزايد الحديث في الأوساط السياسية عن طبيعة الترسانة العسكرية الإيرانية، سواء النووية أو الصاروخية أو منظومات الطائرات المسيّرة، إضافة إلى شبكة الميليشيات المرتبطة بها في المنطقة. ويرى بعض المراقبين أن هذه الأدوات أصبحت جزءاً من معادلة ردع إقليمية معقدة، بينما يعتبرها آخرون تهديداً مباشراً لأمن الخليج والجزيرة العربية.
وفي خضم هذه التحولات، تبدو المنطقة وكأنها تقف أمام لحظة مفصلية. فالتصعيد المتسارع يشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تحمل تغيرات استراتيجية عميقة في موازين القوى. ومع كل ضربة أو تصعيد جديد، تتزايد القناعة بأن شكل الشرق الأوسط بعد هذه المواجهات لن يكون كما كان قبلها.
ورغم العواصف السياسية والعسكرية التي تضرب الإقليم، يبقى الخليج العربي ـ بقياداته السياسية وتجربته التنموية وشعوبه ـ أحد أهم عناصر الاستقرار في المنطقة. فقد أثبتت هذه المنطقة عبر تاريخها الطويل قدرتها على الصمود أمام التحولات الكبرى، منذ عصور التنافس الاستعماري في القرن السادس عشر وصولاً إلى صراعات العصر الحديث.
ولهذا يرى كثيرون أن مستقبل المنطقة سيظل مرتبطاً بقدرة دولها وشعوبها على حماية الاستقرار والتنمية، في مواجهة صراعات النفوذ التي ما زالت تعصف بالشرق الأوسط. فالتاريخ يثبت أن هذه الأرض، التي شهدت مرور إمبراطوريات وغزوات عبر قرون، تمتلك أيضاً قدرة دائمة على تجاوز الأزمات وصناعة توازن جديد للحياة فيها.