مجزرة حيران… حين يختبئ المبعوث الأممي خلف اللغة الدبلوماسية ويواصل الحوثي القتل

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في الحروب، لا تكون المأساة فقط في الصاروخ الذي يسقط، بل في الصمت الذي يتبعه. وفي اليمن، يبدو أن بعض البيانات الدولية أصبحت جزءًا من المشكلة لا من الحل. هذا ما كشفه البيان الذي أصدره المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، عقب المجزرة التي ارتكبتها مؤخرا مليشيا الحوثي في مديرية حيران بمحافظة حجة، حين استهدفت مدنيين كانوا مجتمعين حول مائدة الإفطار.
المشهد لا يحتمل تأويلاً: مجزرة مكتملة الأركان، ضحاياها مدنيون أبرياء، بينهم أطفال، وفي مكان لا يمت بصلة لساحات القتال؛ منزل يحتضن تجمعا عائليا بسيطا للافطار في لحظة إنسانية من ليالي رمضان.
ومع ذلك، جاء البيان الأممي باردًا إلى حد الجمود، ومتحفظا حد المراوغة، مكتفيًا بعبارات فضفاضة عن “القلق” و”العنف”، من دون جرأة تسمية الجهة المسؤولة عن إطلاق القذائف، وكأن وضوح الجريمة لا يكفي لقول الحقيقة.
المشكلة هنا ليست في الصياغة اللغوية فقط، بل في الرسالة السياسية التي يحملها هذا النوع من البيانات. فعندما تُرتكب جريمة بهذا الوضوح، ثم تصدر إدانة بلا اسم للجاني، فإن النتيجة العملية هي إرسال إشارة خاطئة: يمكن ارتكاب مزيد من الجرائم، ثم الاختباء خلف ضباب الدبلوماسية.
ليست هذه المرة الأولى التي يختار فيها الخطاب الأممي اللغة الرمادية في اليمن. لكنها في كل مرة تثير السؤال نفسه: هل الحياد يعني تجاهل الحقيقة؟ وهل التوازن يبرر الصمت عن الجاني؟
في الواقع، ما يحدث هو العكس تماما. فالبيانات الملتبسة لا تحمي المدنيين، ولا تضغط على الأطراف المتحاربة لتغيير سلوكها. بل غالبا ما تمنح الجماعات المسلحة شعورا بأن المجتمع الدولي لن يذهب أبعد من عبارات الأسف والقلق.


مليشيا الحوثي الإرهابية، التي تشتهر بسجلها الطويل في استهداف المدنيين، تدرك تماما حدود الرد الدولي عليها. منذ سنوات، تمارس القصف العشوائي، وزرع الألغام، واستخدام الطائرات المسيّرة في مناطق مأهولة بالسكان، ومع ذلك غالبا ما يقتصر رد المجتمع الدولي على بيانات إدانة عامة، نادرًا ما تتجاوز الأسلوب الدبلوماسي المعتاد.

مجزرة حيران تأتي في هذا السياق. جريمة تضاف إلى قائمة طويلة من الانتهاكات التي يدفع ثمنها المدنيون اليمنيون. لكن ما يجعلها أكثر إثارة للغضب ليس فقط عدد الضحايا، بل الإحساس بأن دماءهم قد تتحول، كالعادة، إلى مجرد سطر في بيان دولي حذر.

والمفارقة أن مليشيا الحوثي لم يستهدف المدنيين وحدهم. فحتى العاملون في المنظمات الدولية وموظفو الأمم المتحدة لم يكونوا بمنأى عن انتهاكاتهم. فقد شهدت السنوات الماضية حالات اعتقال واحتجاز تعسفي لموظفين أمميين وعاملين في المجال الإنساني في مناطق سيطرة المليشيا. ومع ذلك، لا يبدو أن ذلك دفع الخطاب الدولي إلى أن يصبح أكثر وضوحًا أو صراحة في تسمية المسؤولين عن هذه الممارسات.

المشكلة أن مثل هذا الموقف الأممي لا يحقق السلام الذي تسعى إليه الأمم المتحدة. على العكس، فإنه يضعف فرصه. فالسلام لا يُبنى على تجاهل الجرائم أو تمييع المسؤوليات، بل على الاعتراف بالحقائق ومحاسبة من يتجاوزون الخطوط الحمراء.

حين يُقتل مدنيون حول مائدة إفطار، لا يكفي أن يقال إن “العنف يجب أن يتوقف”. المطلوب ببساطة هو تسمية القاتل وإدانته ومعاقبته.
وظيفة المبعوث الأممي ليست سهلة، ولا شك أن مهمته تتطلب التعامل مع أطراف متصارعة وحسابات سياسية معقدة. لكن هناك فرقًا بين الحذر الدبلوماسي وبين الغموض الذي يساوي بين القاتل والضحية.
فحين تُطمس الحقيقة في البيانات الرسمية، تصبح العدالة أول الضحايا.
اليمنيون الذين يعيشون هذه الحرب منذ سنوات لم يعودوا ينتظرون كثيرًا من البيانات الدولية. لكنهم على الأقل يتوقعون شيئًا بسيطًا: أن تُقال الحقيقة كما هي.
وأن يُسمى الجاني باسمه.
على الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص أن يغادرا منطقة اللغة الرمادية، وأن يتبنيا موقفًا واضحًا وصريحًا تجاه الجرائم التي تستهدف المدنيين. فالتسمية ليست تصعيدًا سياسيًا، بل ضرورة أخلاقية.
كما أن إدانة الجهة المسؤولة عن القتل ليست عرقلة لمسار السلام، بل خطوة أساسية لحمايته.
أما الاستمرار في إصدار بيانات حذرة تتجنب الحقيقة، فلن يوقف الحرب، ولن يحمي المدنيين. كل ما سيفعله هو إعطاء رسالة واحدة فقط لمن يرتكب الجرائم: بإمكانكم الاستمرار… فالعالم سيكتفي بالبيانات.