لماذا تُستهدف دول الخليج تحديداً؟
سؤال مهم لكل متابع لاحداث التطورات في الخليج .. لماذا تتجه الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية نحو دول الخليج تحديداً كلما اشتد الحديث عن صراع بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل؟ السؤال مشروع، لأن الذريعة المتكررة ــ استهداف القواعد الأمريكية ــ لم تعد تقنع كل من يتأمل خريطة المنطقة قليلاً.
القواعد الأمريكية ليست حكراً على الخليج. فهي موجودة في دول أخرى مثل إرتيريا وتركيا وباكستان، بل وفي مناطق أبعد من ذلك أيضاً. ومع ذلك لا نرى هذه المواقع ضمن قائمة الأهداف بالطريقة نفسها التي تُستهدف بها دول الخليج. هنا يبدأ الشك المشروع، ويبدأ معه البحث عن تفسير يتجاوز الشعارات السياسية المعتادة.
منذ أكثر من ثلاثين عاماً تُقدَّم العلاقة بين واشنطن وطهران على أنها عداء مفتوح. في الإعلام نسمع التهديد والوعيد، ونقرأ عن العقوبات والتصعيد. غير أن من يراجع التاريخ القريب يجد أن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد خصومة تقليدية بين دولتين.
ففي الكواليس، كما تشير وثائق وتسريبات وتحليلات عديدة، تبدو العلاقة أقرب إلى توازن مصالح غير مباشر. العداء موجود في الخطاب، لكنه لا يلغي حقيقة أن وجود إيران في المشهد الإقليمي يخدم حسابات استراتيجية لعدد من القوى الكبرى.
وجود قوة إقليمية مثل إيران، تُقدَّم دائماً بوصفها تهديداً، يوفر مبرراً دائماً لتعزيز الحضور العسكري الغربي في المنطقة. كما يفتح أبواباً واسعة أمام صفقات التسليح وأنظمة الدفاع والحماية، وهي صفقات تدر على شركات السلاح الغربية، خصوصاً الأمريكية والبريطانية، مليارات الدولارات سنوياً.
ولا ينبغي أن ننسى أن الخليج ليس مجرد جغرافيا عادية. فهو منطقة تفصل الشرق عن الغرب، وتتحكم بممرات مائية هي من الأهم في العالم اقتصادياً واستراتيجياً. لذلك فإن تثبيت الوجود العسكري والسياسي في هذه المنطقة يظل هدفاً دائماً للقوى الكبرى، وأي تهديد دائم يساعد على تبرير هذا الوجود.
بهذا المعنى، يصبح تصوير إيران باعتبارها خطراً دائماً على دول الجوار جزءاً من معادلة أمنية معروفة: تهديد مستمر يقابله حضور عسكري مستمر، وصفقات دفاعية مستمرة أيضاً.
ومع مرور الوقت، ومع ازدياد النقاش حول هذه العلاقات المتشابكة، يرى بعض المراقبين أن المنطقة تُعاد صياغتها من خلال أزمات متلاحقة. كل أزمة تخلق اصطفافات جديدة وتعيد تشغيل آلة السياسة والتحالفات من جديد.
وسط هذه الصورة المعقدة يجد العرب، وخصوصاً دول الخليج، أنفسهم أمام معادلة صعبة. فهم بين طرف غربي يبدو حليفاً استراتيجياً منذ عقود، وبين إيران التي تقدم نفسها أحياناً تحت شعارات إسلامية أو إقليمية جامعة. والاختيار بين هذين المسارين ليس سهلاً سياسياً ولا استراتيجياً.
مع ذلك، يمكن القول إن دول الخليج اختارت حتى الآن طريق الحذر. فهي تجنبت الانخراط المباشر في المواجهة، وفضّلت إدارة الأزمة من مسافة محسوبة. وهذا القرار، مهما اختلفت حوله الآراء، يبدو حتى الآن خياراً عقلانياً في منطقة اعتادت أن تدفع أثمان الحروب أكثر مما تجني من نتائجها.
فالحروب في الشرق الأوسط تبدأ بسهولة، لكنها نادراً ما تنتهي بسهولة. وربما كان أفضل ما يمكن فعله أحياناً هو تجنب الوقوع في مستنقعها منذ البداية.
أما الحقيقة المؤكدة فهي أن الشرق الأوسط سيبقى، في المستقبل القريب على الأقل، ساحة تتقاطع فيها المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية. وما نراه على السطح ليس دائماً كل ما يجري في العمق.