اليمن بين مطرقة المشروع الإيراني وسندان مغامرات الحوثي

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

بعد الضربة الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفت إيران في فبراير الماضي، بدا أن الشرق الأوسط يدخل فصلاً جديداً من التوتر. هذه ليست المرة الأولى التي تتصاعد فيها المواجهة في المنطقة، لكنها هذه المرة كشفت بوضوح مقدار الهشاشة في كثير من الشعارات التي رُفعت طوال سنوات باسم “المقاومة”. فعندما تتشابك المصالح الكبرى، تتحول الشعارات سريعاً إلى أدوات في لعبة النفوذ.

اليمن مثال مؤلم على ذلك. هذا البلد الذي كان يمكن أن يكون جسراً للتجارة بين الشرق والغرب، وجد نفسه بفعل انقلاب الحوثيين ساحة ضمن شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة. لم يعد الأمر يتعلق بصراع داخلي على السلطة، بل ببلد كامل جرى إدخاله في معادلة إقليمية أكبر منه بكثير.

المواطن اليمني هو الخاسر الأول. الاقتصاد منهك، الدولة غائبة، ومستقبل الأجيال رهينة حرب لا يبدو أن الحوثيين راغبين في إنهائها. والأسوأ أن الجماعة، وهي تقدم نفسها كجزء من محور إقليمي، وضعت اليمن عملياً في خط تماس مع صراعات دولية لا يملك اليمنيون فيها قراراً ولا مصلحة.

ومع ازدياد الضغوط على طهران، يزداد القلق من احتمال توسيع ساحات التوتر في المنطقة. هنا يظهر السؤال حول دور الحوثيين، خصوصاً أن اليمن يطل على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. هذا المضيق ليس مجرد خط على الخريطة، بل طريق تمر عبره تجارة دولية بمليارات الدولارات يومياً.

الولايات المتحدة ودول كبرى أخرى حذرت بوضوح من أي تهديد للملاحة في هذه الممرات. الرسالة مفهومة: أمن الطاقة والتجارة العالمية خط أحمر. وأي محاولة لاستخدام هذه الورقة قد تستجلب رداً دولياً سريعاً وحازماً.

المشكلة أن الحوثيين يتصرفون أحياناً وكأن اليمن مجرد ساحة يمكن استخدامها للضغط السياسي. غير أن الدول لا تُدار بهذه الطريقة، والشعوب لا تحتمل أن تكون وقوداً في صراعات الآخرين.

اليمن اليوم يقف عند مفترق طرق. إما أن يستعيد موقعه كدولة تسعى إلى الاستقرار والتنمية، أو يبقى أسيراً لمغامرات جماعة مسلحة ربطت مصيره بمشروع إقليمي لا يرى في اليمن أكثر من موقع جغرافي مفيد.

وفي النهاية يبقى السؤال البسيط والصعب معاً: هل يدرك الحوثيون أن اللعب بأمن الممرات البحرية ليس مغامرة سياسية عابرة، بل مقامرة قد يدفع اليمن كله ثمنها؟