حتمية التداول بين البشر..!

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

إنَّ من أهم السُّنن الإلهية في هذه الحياة، هي سُنّة التداول، قال الله تعالى:
﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾،
وهذه الآية الكريمة لخَّصت في مضمونها الكثير من دلالات التاريخ والحياة البشرية، وأكدت بشكل قاطع على سُنّة التداول بين الناس، وذلك كجزء من متطلبات ابتلائهم واختبارهم في هذه الحياة، وهم يتعرّضون لجميع ظروف ومتغيرات ومتقلّبات الحياة، لاختبار مواقفهم وأعمالهم وردود أفعالهم؛ في الصحة والمرض، وفي الفقر والغنى، وفي الشدة والرخاء، وفي السلطة والمعارضة، في القصور والسجون، في القوة والضعف، وهكذا..!

وهذه السُّنّة الإلهية تنطبق على الفرد والأسرة والمجتمع والدول، وكذلك الأمم، فما يسري في هذا المجال على الفرد، يسري أيضًا على الأسرة والمجتمع والدول والأمم، فكم سرد لنا التاريخ من أخبار أفراد وأسر ومجتمعات وأمم، تبدّلت أحوالهم وتغيّرت ظروفهم، من السلبية إلى الإيجابية، أو من الإيجابية إلى السلبية، وسرد لنا التاريخ ردود أفعالهم في الحالتين.

وتلك القصص الكثيرة الواردة في القرآن الكريم، والتي تتحدث عن أحوال الأفراد والمجتمعات والأمم السابقة، الهدف منها العظة والعبرة والاستفادة، وجميعها تؤكد على حتمية تداول أحوال الحياة بين الناس، كما أنها جميعًا تدعو الناس إلى الصبر في حال المكاره والشدة، وإلى الشكر وحفظ النعمة في حال السراء والرخاء..!

وللأسف الشديد...

رغم كل ذلك، ورغم أن التاريخ البشري يؤكد على هذه السُّنّة الإلهية، ويؤكد على حتمية التداول في فصوله وصفحاته؛ فمن كانوا يومًا في السلطة أصبحوا يومًا آخر خارجها، والعكس، ومن كان فقيرًا يومًا أصبح غنيًا يومًا آخر، والعكس، ومن كان مريضًا يومًا أصبح معافى يومًا آخر، والعكس، وهكذا؛ إلا أن الكثير من الناس لم يعتبروا ولم يتعظوا من ذلك.

فيظن بعضهم أن ما هو فيه من نعمة أو سلطة أو صحة، هو نتاج ذكائه وعبقريته وحسن حظه، فيبطر ويتكبر ويتجبر ويبطش ويظلم ويتغطرس، ويظن الجزء الآخر أن ما هو فيه من شدة أو نكبة أو مرض، هو نتاج فشله وعجزه وسوء حظه، فيبتئس ويكتئب ويسخط ويحبط ويضعف وينهزم، وهكذا ردود أفعال غير منطقية، تؤكد أن أصحابها لم يدركوا حقيقة التداول بين الناس، ولم يستفيدوا ويعتبروا ويتعظوا من القصص التاريخية..!

وكم هو مغفَّل من يظن أن حاله الذي هو عليه اليوم سوف يدوم ويستمر، فدوام الحال من المحال، فإذا كان هو نفسه قد تبدّلت به الأحوال من حال إلى حال، خلال مرحلة قصيرة من حياته، فكم شاهدنا من أناس كانوا بالأمس القريب فقراء وأصبحوا اليوم أغنياء، والعكس، وكم شاهدنا من أناس كانوا بالأمس القريب أصحاء وأقوياء وأصبحوا اليوم مرضى وضعفاء، وكم شاهدنا من أناس كانوا بالأمس القريب خارج السلطة وأصبحوا اليوم هم السلطة.

فدورة التداول لن تتوقف يومًا، وتبدُّل الأحوال من حال إلى حال مستمر، وكل ذلك التبدّل والتغيير هو في حقيقة الأمر نتاج سُنّة التداول الإلهية الحتمية، وليس نتاج ذكاء أو غباء، ولا نتاج قوة أو ضعف، ولا نتاج حسن حظ أو سوء حظ، كما يظن بعض من لم يستوعبوا سُنّة التداول الإلهية..!

ولو يقرأ الإنسان أحوال حياته وأحوال حياة غيره في محيطه الأسري والمجتمعي، فسوف يلاحظ سُنّة التداول وهي تجري أمام عينيه، والإنسان العاقل هو من يستفيد من كل ذلك، ويتعامل مع حتمية التداول بأفضل الوسائل؛ فكم سيكون رائعًا عندما يتعامل بالصبر والاحتساب لله مع أحوال الشدة إذا ما ألمّت به، وكم هو عظيم عندما يتعامل بالشكر والتواضع مع أحوال الرخاء إذا ما ضحكت له الدنيا.

وكم هو مؤلم أن يتعامل الإنسان باليأس والقنوط إذا ما دارت عليه الأحوال من الرخاء إلى الشدة، وكم هو فظيع أن يتعامل بالبطر والتكبر والغرور والبطش والظلم، إذا ما دارت له الأحوال من الشدة إلى الرخاء، ومن الضعف إلى القوة..!

وكذلك الحال بالنسبة للأسر والمجتمعات والجماعات والدول والأمم، فأحوالها متغيّرة ومتبدّلة من ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى ضعف، فكم رأينا من دول وأمم كانت يومًا في المقدّمة، وأصبحت اليوم في المؤخرة، وكانت يومًا قوية وأصبحت اليوم ضعيفة، وهكذا.

وكم رأينا من أحزاب وجماعات كانوا يومًا خارج السلطة، وأصبحوا اليوم في رأس هرمها، وللأسف ينسى البعض سُنّة التداول، ويظن من عند نفسه أن حتمية التداول ستصل إليه وتتوقف عنده، وستتركه على حالٍ واحد، لذلك لا يتردد في ممارسة السلوكيات السلبية تجاه الآخرين.

والحقيقة: لو دامت لغيره ما وصلت إليه، وهذا هو الغباء والغرور بعينه، فحتمية التداول لن تتوقف، ولن تترك أحدًا على حاله، لأنها سُنّة إلهية تجري على الجميع، ولا يمكن أبدًا تغيير أو تحويل سُنّة الله تعالى، والحكمة والذكاء يتطلبان الاستعداد لحتمية التغيير والتبدّل مع مرور الزمن، والتعامل الإيجابي معها.