الذهب النانوي: أمل جديد في علاج السرطان بدقة فائقة
بعد سنوات من الانتظار في المختبرات، يعود معدن الذهب ليحتل صدارة أبحاث علاج السرطان، ولكن هذه المرة في صورة "جزيئات نانوية" فائقة الصغر، قد تكون مفتاحاً لأساليب علاجية أكثر استهدافاً وفعالية.
جزيئات الذهب النانوية هي تجمعات لذرّات الذهب بحجم لا يتجاوز جزءاً من ألف من سمك الشعرة البشرية. ورغم صغر حجمها، تتمتع هذه الجزيئات بخصائص فيزيائية فريدة جعلتها مستخدمة سابقاً في أدوات تشخيصية مثل اختبارات الحمل وبعض فحوصات كورونا، حيث تمنحها اللون الأحمر المميز.
الاهتمام العلمي الحقيقي بدأ يتركز على قدرتها في التصوير الطبي والعلاج الموجه للأورام. وبحسب باحثين من مركز "إم دي أندرسون" للسرطان، يمكن لهذه الجزيئات أن تحدث ثورة في العلاج عبر ثلاثة مسارات رئيسية: العلاج الحراري الضوئي الذي يحول الضوء إلى حرارة قاتلة للخلايا السرطانية، تعزيز فعالية العلاج الإشعاعي عبر تركيز الإشعاع داخل الورم، وتوصيل الأدوية والجينات بدقة متناهية.
التحدي الأكبر كان دائماً هو وصول هذه الجزيئات النانوية إلى أعماق الأنسجة السرطانية الكثيفة. ولحل هذه المعضلة، ظهر مفهوم "التمعدن الحيوي للذهب"، حيث تكتشف الأبحاث أن الخلايا السرطانية قادرة على تجميع ذرات الذهب الذائبة وتحويلها إلى جزيئات نانوية داخلها بشكل أكبر من الخلايا السليمة.
هذه الظاهرة تفتح الباب لاستراتيجية مبتكرة: إيصال ذرات الذهب بدلاً من الجزيئات، لتخترق الأنسجة بسهولة وتتجمع ذاتياً داخل الخلايا المصابة لتكوّن الجزيئات في مكانها الصحيح. وبما أن الذرات أصغر بمئات المرات من الجزيئات، فإنها تنتشر بشكل أعمق داخل الورم وتراكم داخل الخلايا بدقة عالية، مما يعزز فاعلية العلاج الحراري والإشعاعي.
هذه التقنية لا تزال في مرحلة الدراسات قبل السريرية وتُختبر حالياً على سرطانات صعبة مثل سرطان البنكرياس. ورغم أن جزيئات الذهب ليست علاجاً نهائياً بحد ذاتها، إلا أنها تمثل مساراً بحثياً واعداً جداً للعلاج الموجه، وإذا نجحت التجارب المقبلة، قد نكون أمام علاجات مستقبلية أقل ضرراً وأكثر دقة لمرضى السرطان.