من الخلاف إلى الطعنة .. كيف سقطت القضايا العربية؟
ليست كل الطعنات تأتي من عدوٍ ظاهر، فبعضها يُغرس في الظهر بيدٍ تشبه يدك، وتتحدث لغتك، وتدعي وجعك. هكذا كانت أكثر الجراح العربية إيلاماً؛ طعنات لم تأتِ من خارج الخريطة، بل من داخلها.
في التاريخ العربي الحديث، لم تكن الهزائم الكبرى نتيجة تفوق الخصوم وحدهم، بل بسبب انكسار البيت من الداخل. خيانات سياسية تُغلف بشعارات، ومواقف تُباع تحت مسمى الواقعية، وأوطان تُقايض على طاولات المصالح الضيقة. كل ذلك جرى بينما كانت الجماهير تُخدر بخطاب العروبة، وتُطمئن بأن الطعن لن يأتي من القريب.
لكن القريب كان الأقدر على الطعن؛ لأنه يعرف موضع القلب جيداً. وحين نعود إلى لحظات التحول الكبرى، نجد أن التفريط لم يكن في الأرض فقط، بل في القيادات نفسها. قادةٌ اختلف معهم كثيرون، لكنهم كانوا يمثلون ثِقَل الدولة وهيبتها ووحدتها. صدام حسين، معمر القذافي، علي عبدالله صالح، وغيرهم… سقطوا الواحد تلو الآخر، لا بفعل الخصوم فحسب، بل بعد أن تُركوا وحيدين، أو شُوِّهوا، أو استُخدم الخلاف معهم كمدخل لهدم الدولة بأكملها.
لم تُسقط الأنظمة وحدها، بل مُزقت الدول؛ العراق تحول إلى ساحة نفوذ، وليبيا إلى جغرافيا بلا مركز، واليمن إلى خرائط متداخلة وسلطات متنازعة. سقط القائد، فضاعت الدولة، وغابت المؤسسة، وحضر السلاح، وتقدم الخارج ليرسم الحدود الجديدة على أنقاض السيادة.
من فلسطين إلى اليمن، ومن بغداد إلى دمشق، تكررت القصة نفسها: صراع عربي-عربي يفتح الأبواب للتدخل، وانقسام داخلي يمنح الخصم ما عجز عن أخذه بالقوة. ولم تكن المشكلة يوماً في قلة الموارد أو ضعف الشعوب، بل في نُخبٍ قررت أن تنجو وحدها ولو غرقت السفينة.
الأخطر في هذه الطعنات أنها لا تُعلن نفسها كخيانة، بل كـ "حكمة سياسية"، ولا تأتي بسكين، بل باتفاق، ولا تُسفك فيها الدماء مباشرة، بل تُترك الشعوب للنزيف البطيء: فقر، حصار، انهيار، وفقدان للكرامة. ومع ذلك، لم تمت الفكرة العربية رغم كل ما أصابها؛ ما زالت الشعوب قادرة على التمييز بين الخلاف المشروع والطعنة المقصودة، وما زال الوعي الشعبي يُدرك أن العدو الحقيقي ليس المختلِف، بل من يبيع الاختلاف ليصنع منه خنجراً.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس طعنات العرب من العرب فقط، بل اعتيادنا عليها؛ فالطعن المؤلم ليس الأول، بل ذاك الذي نتعايش معه وكأنه قدرٌ لا مفر منه.