بين خيبة الأمل والتفاؤل الحذر .. هل تنجح الحكومة اليمنية الجديدة في استعادة ثقة الشارع؟
تباينت آراء الشارع اليمني، وكذا المحللين السياسيين وناشطي وسائل التواصل الاجتماعي، حول تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة التي تم الإعلان عنها خلال الساعات الماضية، حيث أعرب البعض عن خيبة أملهم لكون التشكيل لم يحقق التوقعات المرجوة، ولم يقدم وجوهاً جديدة قادرة على إحداث تغيير حقيقي في المشهد السياسي والاقتصادي.
وفي المقابل، رأى آخرون أن الحكومة الجديدة تمثل خطوة أولى في مسار إعادة استقرار المؤسسات، مؤكدين أن التقييم النهائي يعتمد على قدرة الوزراء على ترجمة القرارات إلى إنجازات ملموسة على الأرض، خاصة في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه البلاد، من تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وتآكل القدرة الشرائية للعملة المحلية.
ويشير مراقبون إلى أن التباين في الرأي يعكس حجم التطلعات الشعبية وإصرار المواطنين على أن تكون الحكومة حكومة كفاءات قادرة على مواجهة الفساد، وإعادة مؤسسات الدولة للعمل بشكل فاعل، بعيداً عن المحاصصة الحزبية والمناطقية التي يراها الكثيرون سبباً في تعطيل أي جهود لانتشال البلاد من أوضاعها الراهنة.
الاستطلاع التالي يسلط الضوء على ردود فعل سياسيين وأكاديميين وصحفيين تجاه الحكومة الجديدة، ويركز على تقييمهم للأداء المتوقع للوزراء، ومدى قدرتهم على مواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية، وإمكانية تحقيق إصلاحات حقيقية تعيد الثقة بمؤسسات الدولة.
بن إسحاق: تفاؤل حذر وارتياح نسبي
قال الدكتور أحمد بن إسحاق، الأكاديمي المختص في العلوم الإنسانية، إن صدور القرار الجمهوري رقم (3) لسنة 2026م بشأن تشكيل حكومة الدكتور شائع محسن الزنداني أعاد فتح نقاش واسع في الأوساط السياسية والإعلامية، حيث تباينت آراء المراقبين بين تفاؤل حذر وارتياح نسبي، وتحفظات حول بعض التوازنات السياسية والمناطقية في التشكيل.
وأكد أن التركيز يجب ألا يكون على أسماء الوزراء أو التوازنات السياسية فحسب، بل على قدرة الحكومة على الانتقال من مرحلة التشكيل الرمزي إلى مرحلة الإدارة الفعلية وتحقيق النتائج على الأرض، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والكهرباء والاتصالات والتخطيط، التي يشعر المواطن بأي تحسن فيها بشكل مباشر.
وأشار إلى أن الاستحقاق الدستوري لتقديم برنامج الحكومة خلال 25 يوماً بعد الإعلان عن تشكيلها يعد معياراً أساسياً لجدية الحكومة، موضحاً أن برنامجاً واضحاً يحدد الأولويات ويضع أهدافاً قابلة للتنفيذ سيكون الخطوة الأولى التي ينتظرها المواطن قبل البرلمان، ومن خلالها يمكن قياس مدى التزام الحكومة بتنفيذ مهامها.
وأضاف بن إسحاق أن دور مجلس النواب في متابعة وتقويم أداء الحكومة بشكل مستمر أساسي لضمان فاعلية الإدارة، مشيراً إلى أن غياب الرقابة البرلمانية كان سبباً رئيسياً سابقاً في ضعف الأداء وتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات.
وأشار إلى أن اليمنيين اليوم لا ينتظرون حكومة مثالية، بل حكومة صادقة وواضحة تقول ما ستفعله وتلتزم بما تعلن، وأن الأيام المئة الأولى ستحدد قدرة الحكومة على وقف النزيف في مؤسسات الدولة، وتحديد موقع الخلل، وترجمة البرامج إلى إجراءات ملموسة على الأرض، وإلا فإنها ستظل تدير الوقت بدل إدارة الدولة، وهو أمر لم يعد اليمن قادرًا على تحمله بعد سنوات طويلة من الانتظار والتدهور.

العسلي: نجاح الحكومة يُقاس بالنتائج الملموسة على الأرض
يرى الباحث السياسي الدكتور علي العسلي أن التركيز اليوم يجب أن يكون على أداء الحكومة وليس على أسماء وزرائها أو السير الذاتية الفردية، مؤكداً أن المواطن اليمني يعيش ظروفاً صعبة تشمل تأخر الرواتب، وانقطاع الكهرباء، وتآكل العملة، ما يجعل الوقت رأس المال الأهم للحكومة الجديدة.
وأشار إلى أن الأيام المئة الأولى تشكل اختباراً وجودياً للحكومة، فإما استعادة الحد الأدنى من حضور الدولة ووظيفتها، أو الانزلاق إلى إدارة العجز وتطبيع الانهيار. لذلك، يرى أن البداية المنطقية تكون بإعادة تثبيت مركز القرار داخل كل وزارة، وتجميد التعيينات والعقود غير الضرورية، وتقييم ما يُنجز بالفعل وما يعيق العمل، قبل التوسع في أي برنامج إصلاحي كبير.
ويخلص العسلي إلى أن النجاح يقاس بالنتائج الملموسة على الأرض، لا بالخطابات أو الظهور الإعلامي، وأن التركيز على مجموعة محدودة من التدخلات القابلة للقياس والتنفيذ السريع هو ما يعيد الثقة تدريجياً. ويؤكد أن الدعم السياسي متوفر، لكن الامتحان الحقيقي سيكون في قدرة الحكومة على ترجمة القرار إلى أثر محسوس في حياة المواطنين اليومية.

الصامت: استمرار الهيمنة الحزبية
اعتبر الصحفي جميل الصامت أن التشكيل الحكومي الجديد ليس تشكيلاً حقيقياً، بل تعديلاً حكومياً، مع بقاء نحو نصف الحكومة السابقة التي كان الشارع اليمني يطالب بإزالتها.
وأوضح أن هذا التعديل يعكس استمرار الهيمنة الحزبية على المناصب، حيث حصدت جماعة الإخوان حوالي ثلث الحقائب الوزارية، بما في ذلك ستة وزراء، بينما حافظت بعض الأطراف الأخرى على حصصها في الحكومة.
ووصف استمرار بقاء وزراء في مواقعهم لسنوات طويلة، وخاصة في وزارات حيوية مثل الداخلية والشباب والصحة، بأنه إخفاق سياسي مستمر وانتهاك لمبدأ الكفاءة. وأضاف أن الحكومة الحالية تمثل رضاً سياسياً وتوزيع حصص على حساب مصلحة المواطن، وليست حكومة كفاءات حقيقية قادرة على تحمل مسؤولية التغيير ومواجهة التحديات الوطنية.
وأشار إلى أن التشكيل أثبت تعنت بعض الأطراف السياسية التي حرصت على إبقاء وزرائها كحصة ثابتة باسم مناطق أو أحزاب محددة، معتبراً أن ذلك أدى إلى خروج الحكومة بنصيب الأسد لبعض القوى على حساب باقي الأطراف، مضيفاً أن استمرار هذه الممارسات يفرض على الشعب تحمل سنوات إضافية من الإدارة غير الكفؤة.

الحضرمي: حضور النساء في الحكومة مكسب وطني
اعتبرت الدكتورة سوسن الحضرمي، رئيسة مركز تنمية المرأة والطفل بتعز، أن تعيين ثلاث نساء من صاحبات الخبرة والكفاءة ضمن التشكيلة الوزارية يعد خطوة مهمة، كونها أول تشكيلة تضم هذا العدد من النساء في مواقع صنع القرار.
وأضافت في منشور على صفحتها بالفيسبوك: "إن هذا الإنجاز لا يُمثل مكسباً للمرأة فحسب، بل هو مكسب للوطن بأكمله، ورسالة واضحة بأن الكفاءة لا ترتبط بالنوع بل بالقدرة والعطاء".
وعبرت الحضرمي عن أملها أن يكون هذا التعيين بداية حقيقية لتوسيع مشاركة النساء، وأن نشهد حضورا أوسع لهن في مختلف مواقع القيادة والإدارة، مؤكدة أن المرأة شريك أساسي في التنمية وبناء الدولة، وتمكينها هو طريق الإصلاح والاستقرار والتقدم، وبداية لمسار أكثر عدلاً وإنصافاً.
الأغبري: الحكومة الجديدة إعادة تدوير للأزمة لا حل لها
قال المحامي عصام الأغبري إن التشكيلة الحكومية الجديدة تعيد إنتاج مشهد سياسي مألوف، يقوم على إعادة ترتيب المواقع داخل ما وصفه بـ"السفينة الغارقة"، دون معالجة حقيقية لجذور الأزمة الوطنية التي يعيشها اليمن.
واعتبر أن الحكومة الجديدة جاءت نتاجًا لتوازنات ومحاصصة سياسية وحزبية أكثر من كونها استجابة لحاجات الناس الملحّة، مشيراً إلى أن التركيز انصب على توزيع المناصب والألقاب الوزارية، في وقت يعاني فيه المواطن من تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.
وأضاف أن إصرار القوى السياسية على إعادة تدوير الوجوه ذاتها، وتوريث المواقع داخل السلطة، يعكس أزمة عميقة في مفهوم الإدارة العامة، مؤكداً أن الشرعية في نظر المواطنين لم تعد تُقاس بالقرارات الورقية، بل بالقدرة الفعلية على توفير الخبز والدواء وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار.
وتساءل الأغبري عمّا إذا كانت حكومة تُدار بمنطق إدارة الخلافات والتوازنات الخارجية قادرة فعلاً على إنقاذ وطن يواجه تحديات وجودية، محذراً من أن استمرار النهج نفسه سيقود إلى إعادة إنتاج الفشل ذاته، حتى وإن تغيّر ترتيب المقاعد والأسماء.
واختتم الأغبري حديثه بالقول: "إن اليمنيين لا ينتظرون حكومة جديدة بالمسميات، بل ينتظرون تحولًا حقيقيًا في طريقة إدارة الدولة، مشددًا على أن الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن السؤال الأهم: هل سيكون القادم أفضل، أم أن البلاد مقبلة على حلقة جديدة من العبث السياسي المتكرر؟".
