اليمن بين حزبٍ يريد دولة… ودولةٍ تذوب في حزب
من يتابع المشهد اليمني خلال السنوات الماضية لا يحتاج إلى كثير عناء ليكتشف أن الكارثة لم تكن قدراً منزلاً، بل نتيجة أيدٍ عبثت بالدولة حتى تكسّرت بين أصابعها. منذ أن اختلط الشعار بالسلطة، والهتاف بالمصلحة، برز حزب التجمع اليمني للإصلاح لاعباً لا يتصرف كحزب وطني تقليدي، بل كتنظيم عقائدي يرى في كل فراغ فرصة، وفي كل أزمة سلّماً إضافياً نحو النفوذ.
الفرع اليمني لتنظيم الإخوان المسلمين لم يكتفِ بأن يكون جزءاً من المعادلة، بل سعى إلى إعادة صياغتها. دخل الدولة من باب الثورة، واستقر فيها باسم الشرعية، ثم تعامل معها كما لو كانت شركة مساهمة مغلقة. في لحظة كان اليمنيون ينتظرون بناء مؤسسات حديثة، وجدوا أنفسهم أمام إعادة توزيع للمواقع، حيث يُقدَّم الولاء على الكفاءة، وتُختزل الوطنية في بطاقة حزبية.
في تعز، المدينة التي دفعت من دمها وحصارها ما يكفي لقرن كامل، لم يكن الألم كله قادماً من الخارج. كان في الداخل من يدير المعركة بعقلية الحسابات الضيقة. تعطلت جبهات، وتبدلت قيادات، وتحوّلت المؤسسة العسكرية إلى مساحة تجاذب حزبي. أُقصي ضباط مهنيون، وصعد آخرون لأنهم أقرب إلى الدائرة التنظيمية. النتيجة لم تكن نصراً مؤجلاً، بل استنزافاً مزمناً، ومدينة معلّقة بين وعد التحرير وواقع الانقسام.
وفي مأرب، حيث الثروة النفطية والغازية، بدا المشهد أكثر وضوحاً. الموارد التي كان يفترض أن تكون رافعة لإنقاذ الاقتصاد تحولت إلى عنصر قوة في يد تيار بعينه. السيطرة على الإيرادات، توجيه التعيينات، إحكام القبضة على القرار المحلي، كلها مؤشرات إلى ذهنية تعتبر المحافظة نطاق نفوذ لا جزءاً من دولة. الدولة هنا تتراجع، والحزب يتقدم.
الأمر لا يقف عند حدود الإدارة أو التعيين. ثمة اتهامات متكررة حول إدارة أموال الدعم والمساعدات، وعن فجوة بين ما يُعلن وما يصل فعلياً إلى المستحقين. في بلد يئن من الجوع، لا تحتمل الأخلاق الوطنية أن تتحول الإغاثة إلى ملف سياسي، ولا أن تُستخدم الحرب بوصفها مورداً مالياً دائماً. المعركة التي لا تُحسم سنوات طويلة تثير سؤالاً مشروعاً: من المستفيد من بقائها معلّقة؟
الأخطر أن الخط الفاصل بين الحزب والدولة أصبح باهتاً. حين تُدار الوحدات العسكرية بروح تنظيمية، وحين تُحتجز الإيرادات بعيداً عن مؤسسات الرقابة، فإن مفهوم الشرعية ذاته يتعرض للاهتزاز. الشرعية ليست لافتة تُرفع عند الحاجة، بل التزام يومي بالقانون والشفافية والمساءلة.
اليمن اليوم ليس بحاجة إلى تنظير أيديولوجي جديد، ولا إلى إعادة إنتاج شعارات 2011. هو بحاجة إلى مراجعة صريحة، تعترف بأن جزءاً من الانهيار سببه قوى سياسية قدّمت التنظيم على الوطن. ليس المطلوب إقصاء أحد، بل إعادة تعريف السياسة باعتبارها خدمة عامة لا استثماراً خاصاً.
قد يختلف اليمنيون في الرؤى، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة: لا دولة تُبنى بعقلية الغنيمة، ولا وطن ينهض إذا بقي أسير حسابات حزب، أيّاً كان اسمه. ومن أراد أن يكون جزءاً من الخلاص، فعليه أن يبرهن بالفعل لا بالبيان، وأن يضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار تنظيمي أو عابر للحدود. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يرحم من خلط بين الدعوة إلى الدولة، والاستحواذ عليها.