العنوان: 11 فبراير… ذكرى الانكسار الكبير وسقوط الدولة في هاوية الفوضى

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

تمرّ الذكرى الخامس عشر من ١١ فبراير 2011، فتعود معها ذاكرة موجعة محمّلة بالحزن والأسى، ذكرى لا تستحضر أملاً ولا تبعث فخراً، بل تفتح جراح وطنٍ أُهدر، ودولةٍ سقطت، وشعبٍ ما زال يدفع ثمن تلك اللحظة حتى اليوم. إنها ذكرى ضياع اليمن، حين تلاشت هيبة الدولة، وتفككت مؤسساتها، وغاب الأمن والاستقرار، واتّسعت دوائر القتل والدمار، وازدهرت مشاريع الموت، وامتلأت المقابر بضحايا مغامرة سياسية قادتها نخب فبراير تحت شعارات براقة، وانتهت بنكبات لا حصر لها.

لم تكن تلك الأحداث سوى نتاج حالة من الطيش السياسي والمراهقة الثورية التي سيطرت على نخب ساحات الاعتصام، ففتحت أبواب البلاد على مصراعيها للتدخل الخارجي، وأدخلت اليمن تحت الوصاية الدولية، ومهّدت الطريق لظهور مليشيا الحوثي التابعة لإيران، لتتحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة، تعاني التمزق السياسي والطائفي والمناطقي والسلالي، وتشتعل فيها الحرب الأهلية، وتنتشر فيها بنادق الإيجار في كل مدينة وقرية.

وكانت الحصيلة مأساوية بكل المقاييس: ما لا يقل عن نصف مليون قتيل وجريح، ومئات الآلاف من المعاقين، وأكثر من أربعة ملايين نازح، إضافة إلى مئات الآلاف من الأرامل والأيتام، يعيشون في واقع يملؤه الفقر والمرض وانعدام الأمن، والتشرد داخل الوطن وخارجه، بحثاً عن لقمة عيش أو مأوى آمن. هذه ليست أرقاماً عابرة، بل فاتورة ثقيلة دفعها اليمنيون ثمناً لفتنة أحرقت الأرض وأهلكت الإنسان.

ولم تكن رموز تلك الفتنة مجرد فاسدين عابرين، بل نخباً تشكّلت عقولها على الخيانة، ولم تعرف في ذاكرتها معنى للوطن أو للشعب أو للقضية. كان الوطن بالنسبة لهم غنيمة، وإقطاعية خاصة، ومنجماً لنهب الثروات، تُحوَّل عائداته إلى عقارات في بيروت ولندن وإسطنبول والقاهرة، وإلى أرصدة في مصارف عالمية، فيما تُرك الشعب يواجه الجوع والخوف والدمار وحده.

مؤلم إلى حد القهر أن ترى شعباً بأكمله محاصراً بالجوع والخوف والقتل، فيما خارطة الوطن ممزقة، الأوصال مقطوعة، والانقسامات تمتد جغرافياً وقبلياً وطائفياً ومذهبياً وسلالياً. شعب يُجبر على دفع ثمن مغامرات شلّة من اللصوص والفاسدين، ممن ورثوا وهم «الاصطفاء» واعتبروا الوطن ملكية سلالية خاصة، ورأوا في المواطنين مجرد أدوات ووقود يُساقون إلى محارق الموت خدمةً لأطماع ومشاريع فارسية دخيلة.

ويكفي نكبة 11 فبراير جريمةً أنها أخرجت مليشيا الحوثي التابعة لإيران من كهوف مران، وسلّمتها العاصمة صنعاء، ودشّنت في اليمن ما سُمّي بالفوضى الخلاقة، لتكون البلاد ساحة اختبار لمشاريع الشرق الأوسط الجديد، ولكن بنكهة فارسية واضحة.

إنها ذكرى تدمير الدولة ومؤسساتها، وتحطيم قيم النظام والقانون، ونسف الأعراف والروابط الاجتماعية، وإغراق المجتمع في مزيد من الجوع والخوف، والنقص في الأرواح والأموال والثمرات. فيها جرى تدمير المؤسسة العسكرية، ونهب أسلحتها وممتلكاتها، وإحلال المليشيات مكانها. كان 11 فبراير يوماً لإعلان وفاة القانون، وبدء مرحلة القتل الجماعي والتشريد، وهولوكوست ممتد في كل الاتجاهات، ولم تكن محارق الحوثي سوى أحد إفرازات تلك الكارثة.

كان ذلك اليوم أيضاً إيذاناً بتدشين التفجيرات وسط المدنيين، ووضع سيادة اليمن تحت الفصل السابع، وتوسيع نطاق الفساد المالي والإداري من حالات محدودة إلى ظاهرة عامة ووباء شامل، وانتهاء الحديث عن الحرية والديمقراطية وسلطة الشعب، التي رُفعت كشعارات ثم دُفنت تحت ركام الواقع.

وتستحضر هذه الذكرى صور قطع الطرقات، واحتلال مؤسسات الدولة، وتوقف عجلة التنمية، إذ لم يُوضع حجر أساس لمشروع وطني يُفتخر به منذ عام 2011 وحتى اليوم، لتتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة بلا سيادة، تتقاسم النفوذ فيها قوى إقليمية ودولية، من إيران إلى الغرب، فيما يغيب القرار الوطني.

كما تذكّرنا بتدمير الجيش تحت لافتة «الهيكلة»، وتغيير مسمياته، وضرب عقيدته الوطنية، وتسريح الآلاف من ضباطه وأفراده، استناداً إلى مخرجات ما سُمّي بمؤتمر الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة، التي أسهمت في ضياع ما تبقى من الدستور والقانون، وكل ذلك بأيدي من يحتفلون حتى اليوم بذكرى 11 فبراير.

وأمام هذا المشهد القاتم، بات من الواجب على كل وطني شجاع أن يعترف بالحقيقة علناً، وأن يقدّم اعتذاراً صريحاً للشعب والوطن، علّ ذلك يفتح نافذة أمل للخروج من هذا النفق المظلم. أما الاستمرار في الإصرار على توصيف تلك النكبة بأنها «ثورة»، فلن يقود إلا إلى مزيد من التيه، ولن يقرّب اليمن خطوة واحدة من الخلاص.