الواقعية التي تبرر الهزيمة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ليس أخطر على القضايا الوطنية من التصريحات التي تُلبس العجز ثوب الواقعية، وتُسوِّق التراجع بوصفه حكمة، ثم تطلب من الناس التصفيق. المسؤول الحكومي الذي قال إن «التقدم نحو صنعاء في هذه المرحلة غير واقعي» لم يكتفِ بوصف حالٍ بائس، بل شرع في تبريره، وكأن الانقسام قدر سماوي، وكأن عدم الاستقرار في المحافظات الجنوبية عذر كافٍ للتخلي عن العاصمة صنعاء وعن جوهر المعركة.

سؤال بسيط يفرض نفسه: متى كانت الحروب تُخاض في ظروف مثالية؟

 ومتى انتصرت الدول وهي متفقة، مستقرة، ومزدهرة الخدمات؟ 

لو كان التاريخ يُكتب بهذه الشروط، لما تحررت عاصمة واحدة، ولا استعاد شعب سيادته، ولا سقط انقلاب.

القول إن الأولوية اليوم هي “تثبيت الاستقرار في عدن” وتحسين الخدمات لتقديم “نموذج أفضل” ليس خطأً في ذاته، بل هو نصف حقيقة تُستخدم لقتل الحقيقة كاملة. عدن ليست بديلاً عن صنعاء، والنموذج لا يُقنع شعباً واقعاً تحت السلاح والعقيدة القسرية. الحوثيون لم يسيطروا على صنعاء لأن الكهرباء كانت تنقطع في عدن، ولن يُهزموا لأن خدمة المياه تحسنت هنا أو هناك. الصراع سياسي وعسكري في جوهره، وأي محاولة لتحويله إلى مسابقة خدمات هي هروب مكشوف من المسؤولية.

الأخطر من ذلك أن هذا التصريح يشرعن الانقسام بدل مواجهته. حين يقول مسؤول في “الشرعية” إن الانقسامات داخل المعسكر الحكومي تمنع التقدم، فهو لا ينتقد واقعاً فحسب، بل يعترف بفشل قيادته في توحيد هذا المعسكر. الانقسام ليس ظاهرة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لغياب القرار، وتعدد مراكز النفوذ، وتقديم الحسابات الضيقة على المصلحة الوطنية.

أما المحافظات الجنوبية غير المستقره، فهى بدورها نتيجة لا سبب. عدم الاستقرار هناك لم يولد من فراغ، بل من إدارة مرتبكة، ومن تسويات مؤجلة، ومن سلطة تتحدث عن الدولة ولا تمارسها. استخدام المحافظات الجنوبية كحجة لتجميد المعركة مع الحوثي ليس فقط ظلماً للمحافظات الجنوبية، بل إساءة لمعنى الدولة نفسها.

الشرعية وُجدت لاستعادة صنعاء، لا لإدارة انتظار مفتوح. وكل خطاب لا يضع صنعاء في قلب الأولويات، هو خطاب يفرغ الشرعية من مضمونها، ويحولها إلى سلطة أمر واقع بلا أفق ولا مشروع. ما يُضعف قبضة الحوثيين ليس الزمن، بل الفعل. ليس “النموذج”، بل القرار. وليس تحسين الخطاب، بل توحيد البندقية والإرادة و الادارة.

اليمنيون لا يطلبون معجزات، لكنهم يرفضون أن يُقال لهم إن عاصمتهم “غير واقعية”. غير الواقعي حقاً هو الاعتقاد بأن الانقلاب يسقط وحده، وأن الدولة تُبنى بالتبرير، وأن الشعوب تنسى عواصمها مع مرور الوقت.

التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يسامح من حوّل العجز إلى سياسة، والانسحاب إلى رؤية. وفي لحظة كهذه، الصمت أكرم من تصريح يعلن الهزيمة باسم الواقعية.

و اخيرا .. يبدو أن الهدف من هذا التصريح من المسؤول الحكومي في الشرعية هو إرسال رسالة إلى الخارج تفيد بأن الحكومة الشرعية ليست جاهزة بعد، وأنها غير قادرة على مواجهة التحديات الراهنة. في الوقت نفسه، يسعى لإظهار الحوثي كقوة منظمة تملك مؤسسات شبه دولة، بينما الشرعية تبدو مخترقة ومنقسمة، وكأنها تحت تأثير عناصر متحوثة، وهو نفسه جزء من هذا السياق.