رمضان .. فرصة لمراجعة النفس قبل مائدة الإفطار

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

يطلّ رمضان كل عام، فأحاول أن أستقبله كما لو أنه ضيف عزيز لا يتكرر. أقول «أحاول» لأننا، مع الأسف، اعتدنا أن نحوّل الشهر إلى طقوس اجتماعية ومآدب عامرة، وننسى أنه في الأصل موعد مع النفس قبل أن يكون موعدًا مع المائدة.  

رمضان ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فقط؛ لو كان كذلك لكان اختبار قدرة على الاحتمال لا أكثر. لكنه، في جوهره، إعادة ترتيب داخلية: أن نخفف ضجيج الخارج لنسمع صوت الضمير، وأن نعيد للقرآن مكانه في يومنا، لا زينةً على رف، بل كتاب هداية يُقرأ ويُفهم ويُعمل به.  

في هذا الشهر، تتبدل صورة الحياة قليلًا. ترى الناس أكثر قربًا من بعضهم، وأقرب إلى فعل الخير، وأميل إلى الصفح. ليس لأنهم ملائكة فجأة، بل لأن الصوم يذكّرهم بضعفهم وحاجتهم، فيلين القلب الذي قسَتْه العادة طوال العام. وهنا تكمن قيمة رمضان: أنه يعيد الإنسان إلى إنسانيته.  

ليلة القدر، التي نلتمسها في العشر الأواخر، ليست مجرد ليلة نحييها بطقوس محفوظة، بل لحظة صفاء نادرة. هي فرصة لأن يقف المرء مع نفسه وقفة صدق، فيسأل: ماذا قدمت؟ وماذا أخّرت؟ وأيَّ إنسان أريد أن أكون؟ قيمة الليلة ليست في طول القيام فقط، بل في أثرها بعد انقضاء الشهر.  

الصيام، كما جاء في الآية الكريمة:  
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»،  
ليس دعوة إلى الجوع، بل إلى التقوى. والتقوى ليست كلمة كبيرة تُرفع في الخطب، بل سلوك يومي: أمانة في العمل، وصدق في القول، ورحمة بالناس، وانضباط في الرغبات. إن لم ينعكس الصوم على أخلاقنا، بقي عادة موسمية لا أكثر.  

أرى رمضان تدريبًا على الحرية الحقيقية؛ حرية الإنسان من شهوته، ومن غضبه، ومن عاداته السيئة. حين يستطيع أن يقول «لا» لرغبة مباحة في وقتها، يصبح أقدر على أن يقول «لا» لما لا يليق به في كل وقت. وهنا تكتمل الحكمة.  

رمضان شهر مضاعفة الأجر، نعم، لكنه أيضًا شهر مضاعفة الوعي. شهر نتذكر فيه أن الحياة أقصر من أن تُعاش بلا معنى، وأن الإنسان أكبر من أن تحكمه شهوة عابرة أو خصومة صغيرة.  

يبقى أن نقول: كل عام وأنتم بخير. وليكن رمضان هذا العام بداية مختلفة، لا نهاية مؤقتة لعادات تعود مع أول يوم بعد العيد. فالغاية ليست أن نصوم شهرًا، بل أن نتغيّر به شهرًا، ثم نواصل الطريق.