ثقافة العبث والفوضى في حياة الشعب اليمني ..!!
من يبحث في المشهد اليمني من جميع جوانبه سوف يصاب بالصدمة والذهول من هول العبث والفوضى المهيمنة عليه والمتحكمة به ، عبث وفوضى في كل مكان وفي كل اتجاه يصل إليهما ناظريك ، ولن ابالغ اذا قلت بأنه لا يوجد في اليمن شيء خارج عن العبث والفوضى ، وضع مأساوي وكارثي يصيب الانسان بالاحباط واليأس والألم والحزن ، كيف لا وهو يشاهد كل الجماليات الطبيعية والتاريخية والأثرية والحضارية والانسانية والاجتماعية الموجودة في وطنه وقد شوه العبث والفوضى من جمالها ومكانتها وحضورها ، وجعلها تظهر بشكل بائس ومشوه ومدمر ، وللأسف الشديد حالة العبث والفوضى لم تتوقف عند ذلك الحد بل وصل بها الحال إلى عبث الانسان اليمني بنفسه وصحته وبيئته ، فالاستهلاك العشوائي والعبثي للمبيدات والاسمدة الزراعية خلال بذر وزراعة وسقي وحصد المزروعات بكل انواعها وخصوصا شجرة القات ، بدون رقابة ولا ارشاد ولا توعية ، ينذر بكارثة صحية خطيرة على أفراد المجتمع اليمني ، وفقط هم الموردون وكبار تجار المبيدات والاسمدة المستفيدون وهم من تمتلئ خزائنهم بالمليارات ، على حساب صحة شعب بأكمله ، وما الانتشار الكبير للأمراض الخطيرة كالسرطان وغيره والتي تكتظ يها المستشفيات في الداخل والخارج إلا دليل يؤكد على توسع هذا الخطر القاتل وانتشاره واستفحاله هذا نموذج في الجانب الصحي وما هو إلا نقطة من بحر العبث والفوضى في هذا الجانب الهام والخطير ..!!
وبالانتقال إلى الجانب التاريخي والحضاري فحدث ولا حرج ، ولن ابالغ إذا قلت بأن المواقع الأثرية في اليمن تعرضت ليس فقط للعبث والفوضى بل لحالة من التجريف والتخريب الغير مسبوق في كل دول العالم ، فالجميع يهتمون بتراثهم وحضارتهم وتحظى المواقع الأثرية بكل الاهتمام والعناية والترميم والحراسة ، بينما في اليمن بلاد القلاع والحصون الأثرية المنتشرة في كل مناطق وقرى اليمن ، تم تدمير غالبية الحصون والقلاع بأيادي أبناء المناطق انفسهم ، إما بذريعة استغلال احجارها لبناء مساكن جديدة أو بذريعة البحث عن الكنوز والتماثيل لبيعها والمتاجرة بها ، أو نتيجة الاهمال المتعمد وعدم القيام بالترميمات الضرورية ، والذي يؤدي إلى تفككها وانهيارها نتيجة الامطار والعوامل الطبيعية عبر مئات السنين ، لن ابالغ إذا قلت بأن القلاع والحصون الموجودة في اليمن والتي تعد بالالاف لو كانت عند دولة أخرى ومجتمع آخر غير المجتمع اليمني ، لجعلوا منها كنزا أثريا وسياحيا لا نظير ولا مثيل له ، كنزا دائما يدر عليهم المليارات من الدولارات سنويا ، لكن لسوء حظها وقعت في يد شعب يعشق الفوضى ويتلذذ بالعبث في كل شيء يقع تحت يده ، فلا احساس ولا شعور بالمسئولية ( سلطة وشعب منزوعا الاحساس بالمسئولية ) ، وفقط هناك عامل مشترك بين السلطة والشعب اليمني وهو عامل الفوضى والعبث ..!!
وفي الجانب السياسي وصل الحال بعبثية وفوضوية هذا الشعب وخصوصا بعض احزابه العميلة للخارج إلى الانقلاب على النظام الجمهوري الديمقراطي التعددي الذي جعل الشعب يحكم نفسه بنفسه في سابقة هي الأولى على مستوى العالم العربي والاسلامي ، فلم يحدث في التاريخ أن خرجت قوى المعارضة إلى الشوارع للمطالبة باسقاط النظام الجمهوري الديمقراطي التعددي إلا في اليمن ، وكل ذلك ليس لشىء سوى لاشباع رغبة الفوضى والعبث عند بعض قوى النفوذ الدينية والقبلية والحزبية ، وتلبية لطلبات قوى خارجية تريد أن تغرق اليمن في المزيد من الفوضى والعبث والحروب والصراعات والانقسامات ، ولا تريد لليمن الأمن والاستقرار والازدهار والبناء والتطور والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع ، واذا سقط الجانب السياسي في براثن العبث والفوضى فعلى الدنيا السلام ، لأن بقية الجوانب والمجالات حتما سوف تسقط في مستنقع العبث والفوضى ، ولن نبالغ اذا قلنا بأن احداث فبراير 2011م هي نكبة الفوضى والعبث بحاضر ومستقبل الشعب اليمني ، قد تكون بدايتها حركة شبابية مطلبية ، لكن بعض قوى النفوذ الديني والحزبي والقبلي ركبت الموجة واستولت على القيادة وغيرت دفة السفينة واتجاهها ، لتستغلها لتنفيذ مشاريعها الفوضوية والعبثية من خلال الدعوة لاسقاط النظام الجمهوري الديمقراطي التعددي الذي كانت ترى فيه عائق أمام سياساتها ومشاريعها الفوضوية والعبثية ، كيف لا وقد جعل مصيرها ومستقبلها بيد الناخب اليمني الذي يمتلك حق التصويت لمن يريد ان يحكمه ، من أجل ذلك ليس من العقل والحكمة التغني بتلك الاحداث التي حرمت الشعب اليمني من حقوقه وحرياته المدنية والديمقراطية والحضارية ..!!
قد يقول البعض إن في كلامي مبالغة ومزايدة ، لكنني أقول لهؤلاء اتحداكم أن تثبتوا عكس كلامي ، اتحداكم أن تتكلموا عن جانب جميل ومشرق وايجابي في حياة هذا الشعب ، اتحداكم أن تتكلموا عن جانب أو مجال لم تطاله يد العبث والفوضى في حياة هذا الشعب البائس واليائس والمحاصر بكل صور الفوضى والعبث من كل الاتجاهات والجوانب ، وازيدكم من الشعر بيت ، الفوضى والعبث والمزاجية والارتجالية والعشوائية هي من تحكم الشعب اليمني اليوم في كل المناطق بدون استثناء ، يشهد الله أني أتمنى أن يكون كلامي مجرد تشاؤم لا أكثر ، لكن للأسف الشديد هو الحقيقة الدامغة بكل تجلياتها وتفاصيلها بعيدا عن التنميق والتخدير والتزييف ، بالله عليكم هل هناك شعب في العالم يرمي القمامة خارج الصناديق المحددة لها كما هو الحال في اليمن ، وهل هناك بلد لا يلتزم فيه السائقون بارشادات واشارات المرور ، ولسان حالهم يقول احمد الله ان قد عمك حسين بيعرف يسوق .. وهذه ابسط سلوكيات يتجلى فيها العبث والفوضى في حياة هذا الشعب ، والمشكلة والكارثة أن مثل هذه السلوكيات الفوضوية والعبثية قد تحولت مع مرور الأيام إلى ثقافة سائدة ومقبولة ، وهو ما يجعل تصحيحها واصلاحها من الصعوبة بمكان كونها تحتاج لجيل جديد ، لأن الجيل القائم قد تعايش مع العبث والفوضى واصبحت جزء من حياته وسلوكياته ، مثل الجسم المريض والمعتل الذي يتعايش مع الجراثيم والفيروسات ، فهو قد لا يموت لكنه يعيش هزيل وضعيف ومنهك ، وهذا هو واقع الشعب اليمني في ظل العبث والفوضى التي تتحكم في مجريات حياته في كل يوم ، بل لقد وصل الحال لدى البعض إلى التفاخر بالسلوكيات العبثية والفوضية وكأنها رمز للقوة والفخر والنفوذ والرجولة ( كحمل السلاح في الشوارع والمدن .. والوقوف بالسيارات في وسط الشوارع وتبادل الاحاديث ...الخ )..!!