غياب العَلَمْ عن مكاتب الوزراء...أي جمهورية نُمثل؟
يُحكى أن ملوك الطوائف في الأندلس كانوا يتنافسون على طول الألقاب وقصر الهمم، وكان الواحد منهم يرضى بأن يُنزع لواء دولته من فوق حصنه مقابل أن يضمن بقاءه يومًا إضافيًا على كرسي مهزوز. واليوم، ونحن نتابع المشهد في عاصمتنا المؤقتة "عدن"، نكتشف أن التاريخ لا يعيد نفسه فحسب، وإنما يكرر مآسيه بوجوه يمنية، عبر بروتوكولات تثير القلق أكثر مما تثير الغضب.
تأملوا معي تلك المكاتب الوزارية الفخمة في عدن: وزراء جمهوريون قادمون إلى العاصمة المؤقتة بعد أداء اليمين الدستورية، ثم يجلسون خلف مكاتبهم في حالة من "الفراغ الرمزي" الصادم...!! الجدران خلفهم صامتة، خالية من العلم الوطني الذي يُفترض أنه مصدر شرعيتهم الدستورية. بل إن بعضهم اكتفى بصورة رئيس مجلس القيادة، وكأن الرئيس كشخص هو الدولة، بينما الرمز الوطني (العلم) أصبح تفصيلًا قابلًا للتأجيل أو الحسابات.
والأدهى من ذلك، أن تجد وزيرًا في حكومة الجمهورية اليمنية لا يزال يضع في صفحته الرسمية- التي يفترض أنها تمثل مؤسسة سيادية- خلفية ذات دلالة انفصالية. هذه المشاهد تخبرنا أننا لسنا أمام دولة مكتملة الثقة برموزها، بل أمام بنية محاصصة سياسية هشة، يخشى شاغلوها الاصطدام بتوازنات القوة المحيطة بهم.
هذا التراجع الرمزي لمكانة "العَلَمْ" في مكاتب بعض الوزراء هو الجيوسياسة في صورتها العارية. إنه يُذَكّر بما أشار إليه السياسي الأمريكي المخضرم "هنري كسينجر" في كتابه "النظام العالمي" حين تحدث عن مركزية الرموز في تثبيت مفهوم الدولة وسيادتها. فالدولة التي لا تُظهر ثقتها برمزها، تُرسل إشارات ملتبسة عن تماسكها الداخلي.
"الرياض"، التي تستضيف اليوم منصات إعلامية "جنوبية"، وتفتح المجال لخطاب سياسي جديد من داخلها، ربما عليها أن تقرأ هذه الإشارات جيدًا. فالسياسة لا تتعامل مع النوايا، بل مع الرموز والسلوكيات. ومن يتردد في تثبيت رمز دولته في مكتبه، يجب أن يُنظر إليه باعتباره طرفًا قابلاً لإعادة التموضع ضمن أي ترتيبات قادمة.
إن ما تسمى بـ "القضية الجنوبية" تحولت في السنوات الأخيرة من مظلومية حقوقية بحتة- نوقشت في مؤتمر الحوار الوطني الشامل (2012)- إلى ورقة جيوسياسية تتداخل فيها حسابات إقليمية مع صراعات محلية في لحظة إقليمية معقدة تبحث فيها القوى المؤثرة عن إعادة ترتيب وكلائها وأدوات نفوذها.
وإذا كان المفكر الروسي "ألكسندر دوغين" يرى أن "الجغرافيا هي القدر"، فإن قدر اليمن اليوم يُعاد رسمه في ظل نخب سياسية تفتقر إلى مشروع وطني جامع، وتتعامل مع فكرة الدولة كوضع مؤقت وليس ككيان ينبغي تثبيته وترسيخه.
إن غياب العَلَمْ الوطني اليوم عن مكاتب الوزراء في "عدن"، سيؤدي إلى فقدانه غدًا في بقية المحافظات إن استمر هذا التراخي الحكومي في التعامل مع رمزية الدولة. فمن لا يحرص على تثبيت رمزه السيادي في مكتبه، كيف سيقنع الناس بصلابة موقفه في لحظة اختبار حقيقية؟