اليمن .. من دولة موحّدة إلى وطن ممزق
لم يكن اليمن يومًا ساحة مفتوحة للفوضى كما هو اليوم. كان لنا وطن واحد، ودولة موحّدة ذات سيادة، رئيس واحد وحكومة واحدة وعاصمة واحدة، وجيش وطني يحمي الحدود البرية والبحرية ويصون مكتسبات الشعب. كانت مؤسسات الدولة تعمل، والأجهزة الأمنية تؤمّن المحافظات والمديريات، وكان المواطن يشعر أن هناك كيانًا جامعًا اسمه الدولة.
غير أننا لم نحافظ على تلك الدولة كما ينبغي، ولم نواجه بحزم قوى التخريب والانقلاب التي تسللت إلى جسد الوطن. تساهلنا مع مظاهر العبث، وصمتنا طويلاً على مشاريع الهدم، فكانت النتيجة سقوط الدولة وتمزقها. تعددت القيادات والسلطات، وتفرقت الجيوش، وانقسم القرار الوطني، وأصبح اليمن ساحة صراع مفتوح بين قوى متنازعة، يدفع المواطن وحده ثمن هذا الشتات.
كان لنا بنك مركزي واحد، واقتصاد موحّد، وعملة وطنية مستقرة، وإيرادات عامة تُرسم على أساسها الموازنة السنوية للدولة. كانت المشاريع التنموية والخدمية تُنفذ، والمرتبات تُدفع بانتظام، وكانت عجلة الحياة تسير دون أزمات إنسانية خانقة أو انهيار شامل للخدمات.
لكننا لم نحمد الله على تلك النعم، ولم نتصدى لمحاولات إسقاط الدولة وتدمير مؤسساتها ونهب مواردها. فكانت الكارثة: انهار الاقتصاد الوطني، وتهاوت العملة، ونُهبت الثروات، وسُلبت الإيرادات، وانقطعت المرتبات، وغرقت البلاد في دوامة أزمات متلاحقة. طرقات مدمرة، كهرباء منعدمة، مياه شحيحة، وغلاء يلتهم ما تبقى من قدرة المواطن على الصمود. أصبحت أبسط مقومات الحياة حلمًا بعيد المنال.
ولم يكن الانهيار اقتصاديًا فحسب، بل أخلاقيًا وسياسيًا أيضًا. سكتنا عن حملات الإساءة والتطاول على الرموز والقيادات الوطنية، وسمحنا لخطاب الكراهية والفوضى أن ينتشر دون رادع. ومع كل صمت، كانت هيبة الدولة تتآكل، وكان النسيج الاجتماعي يتمزق، حتى وجدنا أنفسنا أمام واقع مرير: ملايين المشردين، وحمامات دماء، وفوضى لا تنتهي.
اليوم، يبدو اليمن وكأنه دولة بلا سيادة مكتملة، وقرارها مرتهن، وقيادتها مكبّلة، تعتمد على الفتات من المساعدات الخارجية لتسيير شؤونها ودفع مرتبات موظفيها. تتسابق بعض الأطراف في ارتهان القرار الوطني، وتتنازل عن المصالح العليا، بينما يزداد المواطن بؤسًا وضياعًا.
إن ما جرى لم يكن قدراً محتوماً، بل نتيجة تراكمات من الصمت والتفريط والانقسام. واستعادة الدولة لن تكون بالشعارات، بل بوحدة الصف، واستعادة الوعي الوطني، وبناء مؤسسات قوية تقوم على القانون والمساءلة، وتضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار.
فالدولة لا تسقط في يوم، ولا تُستعاد في يوم، لكنها تبدأ حين يدرك أبناؤها أن لا خلاص إلا بدولة واحدة، وجيش واحد، ومؤسسات واحدة، وقرار وطني مستقل يعيد لليمن كرامته وسيادته ومكانته بين الأمم.