والله بكى وأبكاني
قبل أكثر من عشرين سنة، في رمضان الكريم، حلف عليَّ أحد أصدقائي أن أفطر عنده، وعزمني على الإفطار في بيته.
أذَّن المغرب، فأفطرنا على ماءٍ وتمر، ثم قمنا لصلاة المغرب، وبعد الصلاة قدّموا الشفوت والعتر والشوربة والسمبوسة وشاي الحليب.
لا أخفيكم، اعتقدت أن كل هذا هو العشاء!
حاولت أن أُشبع معدتي، وختمتها بكوبين من شاي الحليب الجميل جدًا، وحمدت الله وعدت إلى الخلف.
مع أنني لاحظت أن الجميع أخذوا قطعة واحدة فقط من كل شيء، والقليل منه، إلا أنا؛ استمتعت ولم أترك فراغًا البتة.
بعد ساعة دخلت السفرة باللحم المرق والحنيذ وأنواع وأشكال من الطبيخ وأطباق كثيرة ومتعددة الأنواع، وأنا مذهول!
حتى رفعت صوتي، غير محرج: (ما هذا الظلم؟)
شعرت بحسرة وضيق؛ كيف لم أفهم العادات والتقاليد؟
تواصلت مع صديقي قبل شهر أُذكِّره بتلك العزومة ونضحك، فوجدته صامتًا، لا يضحك ولا يبادلني الذكريات، حتى قلت له: ما لك؟
قال: يا أخي، نتمنى أن نأكل 5% من تلك السفرة. والله نأكل وجبة واحدة في اليوم.
ورمى الهاتف وهو يبكي.
أيها الأنذال، لقد أبكيتم الرجال!
أين ما وعدتم به الشعب من الترف والرفاهية والحياة الجميلة؟
لقد هربتم إلى قطر وتركيا ومصر والسعودية والإمارات ودول العالم، وعشتم حياة الملوك أنتم وأُسَركم، وتركتم الشعب يموت جوعًا وفقرًا ومرضًا وإحباطًا.
ويا قافلةً عاد المراحلُ طوالُ
ويا فصيحُ، لِمَن تصيح؟.