تصريحات توراتية ومخططات توسعية .. هل تستفيق العواصم العربية؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في الوقت الذي تعيش فيه غالبية الدول العربية، منذ أكثر من عقد ونصف، حالة من الفوضى والاضطراب، وتغرق في دوامات الصراعات والحروب والانقسامات، تبدو المنطقة وكأنها تدفع ثمن مشروعٍ طويل الأمد استهدف إضعافها واستنزاف مقدراتها. فقد تحولت دول عربية عدة إلى ساحات نزاع مفتوحة، وتعرضت جيوش للتفكيك، وبنى تحتية للتدمير، ومجتمعات للتمزيق، في مشهد لم يكن معزولًا عن تدخلات خارجية مباشرة وغير مباشرة.

وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبرز سياسات حكومة الكيان الصهيوني التي تستغل حالة الفوضى والانقسام العربي لتوسيع نفوذها وفرض وقائع جديدة على الأرض. فمنذ اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة، تصاعدت العمليات العسكرية بصورة غير مسبوقة، مخلفةً آلاف الضحايا ودمارًا واسعًا طال البشر والحجر. ولم تقتصر المواجهات على غزة، بل امتدت إلى الضفة الغربية، حيث تتسارع وتيرة الاستيطان والاقتحامات ومحاولات فرض السيطرة الكاملة.

وفي الوقت ذاته، تواصل القوات الصهيونية قصف مناطق في جنوب لبنان، وتشن غارات متكررة داخل سوريا، مع توغلات ميدانية تؤكد توسيع نطاق الاشتباك الإقليمي. هذه التحركات تعكس سياسة قائمة على استثمار الفراغ العربي والانشغال الداخلي لتكريس معادلات جديدة تصب في مصلحة المشروع الصهيوني.

وجاءت تصريحات السفير الأمريكي لدى حكومة الاستعمار الإسرائيلي، مايك هاكابي، لتضيف بُعدًا أكثر وضوحًا إلى طبيعة هذا التوجه. فقد أشار، في تصريحات مثيرة للجدل، إلى أن لإسرائيل، من منظور توراتي، حقًا في السيطرة على أجزاء واسعة من الشرق الأوسط. هذا التصريح لم يكن عابرًا، بل حمل دلالات سياسية عميقة، إذ عكس تصورًا أيديولوجيًا يتقاطع مع أطروحات “إسرائيل الكبرى” الممتدة، وفق بعض الأدبيات، من الفرات إلى النيل.

إن خطورة هذا الطرح لا تكمن في بُعده الرمزي فحسب، بل في توقيته وسياقه، حيث تتزامن التصريحات مع تصعيد عسكري وتحولات جيوسياسية تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة. كما أنها تمثل رسالة واضحة بأن بعض الدوائر السياسية في واشنطن والغرب ما تزال تنظر إلى المنطقة من زاوية الهيمنة وإعادة التشكيل بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.

وأمام هذه المعطيات، تبدو الدول العربية مطالبة بإعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية، بعيدًا عن رهانات التقارب المنفرد أو التحالفات الظرفية التي قد لا توفر ضمانات حقيقية للأمن القومي العربي. فالتاريخ القريب أثبت أن تفكك الموقف العربي يمنح القوى الإقليمية والدولية فرصة أوسع لفرض أجنداتها.

إن المرحلة الراهنة تفرض وعيًا جماعيًا بخطورة المشاريع التوسعية، أياً كان مسماها، والعمل على تعزيز التضامن العربي، وتحصين الجبهات الداخلية، وبناء استراتيجيات سياسية وأمنية واقتصادية قادرة على مواجهة التحديات. فالصمت أو التعويل على التطمينات لا يكفيان في ظل واقع سريع التحول.

في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة أن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية، بل بمدى تماسكها الداخلي ووحدة قرارها السياسي. وإذا لم تدرك العواصم العربية أن ما يجري يتجاوز حدود الأزمات المحلية إلى مشروع إقليمي أوسع، فقد تجد نفسها أمام وقائع يصعب تغييرها لاحقًا.

فهل تكون هذه التصريحات جرس إنذار يعيد ترتيب الأولويات، أم تمر كما مرّت غيرها في زمنٍ تتراكم فيه التحذيرات وتقل فيه الاستجابات؟