اليمن بين عمامتين .. دولة ضاعت بين الإخوان والحوثي
أكتب عن اليمن وفي القلب غصّة؛ لأنني عشت وترعرعت في هذا البلد في زمنٍ كان فيه الفقر مشكلة، نعم، لكن الدولة كانت قائمة، والراية واحدة، والجيش جيشًا، والخلاف يُدار تحت سقف الجمهورية لا فوق ركامها.
لم تسقط الدولة فجأة، ولم تُخطف الجمهورية في ليلة وضحاها. ما جرى كان مسلسلًا طويلًا من الأخطاء والخطايا من قبل أحزاب أصحاب فتنه 11 فبراير، تقاسمت فصوله مشاريع حزبية مؤدلجة غلّبت التنظير على الوطن، والعقيدة السياسية على فكرة الدولة. ووفق قراءة صادرة عن المركز اليمني المستقل للدراسات الاستراتيجية، فإن التنازع بين حزب التجمع اليمني للإصلاح، باعتباره الواجهة السياسية للإخوان المسلمين في اليمن، وبين مليشيا الحوثي الإرهابية، لم يكن مجرد صراع نفوذ، بل كان معول هدم لما تبقى من مؤسسات الدولة بعد انقلاب و فتنه فبراير 2011.
قبل ذلك، كانت اليمن قد حققت وحدتها عام 1990 في خطوة شجاعة أنهت انقسامًا مريرًا، وأطلقت تجربة تعددية لم تكن مثالية، لكنها كانت حقيقية. جرت انتخابات، واحتكم الناس إلى صناديق الاقتراع، وبدا أن بلدًا فقيرًا يستطيع أن يقدّم درسًا في السياسة لجيرانه الأكثر ثراءً.
وفي عهد الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح، أُديرت شبكة معقدة من التوازنات القبلية والحزبية والعسكرية. كانت هناك تجاوزات، لكن الدولة ظلت قائمة. بل إن صنعاء نجحت في تسوية ملفات حدودية شائكة مع سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية وإريتريا، فأغلقت أبواب نزاعات كان يمكن أن تتحول إلى حروب خارج الحدود.
ثم جاء ما سُمّي بالربيع العبري. لا أجادل في حق الشعوب في التغيير، لكنني أجادل في نتائج الفوضى. دخل حزب الإصلاح بقوة إلى الشارع وركب الموجة ورفع شعار إسقاط النظام، غير أن إسقاط النظام شيء، واحتكار الدولة شيء آخر. بدا وكأن الهدف لم يكن إصلاح الدولة، بل وراثتها وتقاسم خزائن إرادتها.
في الوقت نفسه، كانت مليشيا الحوثي تتحرك بهدوء في الشمال، تبني قوتها العسكرية والسياسية، وتستثمر كل انقسام وكل ضعف. وعندما دخلت صنعاء في سبتمبر 2014 بمساعدة الإخوان المسلمين، لم يكن ذلك نصرًا لطرف على آخر، بل كان إعلانًا رسميًا بأن الدولة صارت رهينة المليشيا.
المفارقة أن الطرفين، رغم خطابهما المتناقض، التقيا عمليًا عند نقطة واحدة: إضعاف الدولة المركزية. كل منهما رأى في الجمهورية وسيلة لا غاية، سُلّمًا يُصعد عليه لا بيتًا يُصان. وبين الشعارات الثورية والهتافات العقائدية، تآكل الجيش، وانهارت الإدارة، وتراجعت فكرة المواطنة أمام منطق الولاء.
عندما تغيب الدولة، يحضر الخارج. وهذا ما حدث. صار اليمن ساحة مفتوحة لحسابات إقليمية ودولية، وتراجعت صورة الجمهورية الواحدة لتحل محلها خرائط نفوذ متعددة. لم يعد السؤال:
من يحكم صنعاء؟
بل: لمن تدين صنعاء؟
أما المواطن اليمني، فكان الخاسر الأكبر. العملة انهارت، الرواتب تبخرت، والخدمات الأساسية صارت حلمًا. ملايين يعيشون على حافة المجاعة، فيما تتبادل النخب السياسية الاتهامات، وتُدار الحرب كأنها قدر لا فكاك منه.
والحقيقة المرّة أن استمرار الحرب يخدم من اعتادوا الحكم من خارج الدولة؛ فالدولة تعني قانونًا ومحاسبة، أما الفوضى فتعني سلطة بلا مساءلة. ولهذا يبدو السلام الحقيقي خطرًا على من بنوا نفوذهم في ظل الغياب الكامل للمؤسسات.
الخروج من هذا النفق لا يكون بشعارات جديدة، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها: جيش واحد، سلاح واحد، دستور واحد. لا قداسة لتنظيم، ولا حصانة لمليشيا، ولا وصاية لعقيدة على وطن.
اليمن لا يحتاج إلى مشروعين يتنازعانه، بل إلى مشروع واحد يجمعه. الجمهورية ليست غنيمة حرب، ولا جائزة ترضية لفصيل غالب، بل عقد اجتماعي يحمي الجميع.
إما أن يستعيد اليمنيون دولتهم، أو يبقى وطنهم ساحة مفتوحة لمشاريع وأجندات خارجية لا ترى فيه إلا جغرافيا صراع. وفي السياسة، كما في الحياة، الفرص لا تأتي مرتين.