صنعاء عاصمة .. تختطفها المليشيا ويخذلها انقسام الشرعية

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

أكتب عن اليمن وأنا أستعيد -بكل أسى- صور سبتمبر 2014، يوم سقطت صنعاء في يد مليشيا الحوثي الإرهابية، فدخل اليمن نفقًا لا يزال  لا يزال يلتهم أحلام أبنائه و يتلمس بصيص ضوء يصلهم لنهايته. ذلك السقوط لم يكن عسكريًا فقط، بل سياسيًا ومعنويًا، إذ اختلطت الحسابات الداخلية بالتجاذبات الإقليمية، ووجد اليمنيون أنفسهم أمام انقلاب دمّر الدولة ومؤسساتها.

في تلك اللحظة، التف كثيرون حول هدف واحد: استعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب. لكن الطريق إلى العاصمة المختطفة لم يكن معبّدًا بالإجماع، إذ اعترضته خلافات داخل مؤسسات الشرعية نفسها. هذه الخلافات لم تضعف مجرد التنظيم، بل أهدرت الوقت والجهد و أضعفت أيضًا الرؤية الموحدة للمعركة، ومنحت الخصم فرصة لالتقاط الأنفاس واستغلال كل لحظة لصالحه.

الشرعية المعترف بها دوليًا كانت من المفترض أن تكون الإطار الجامع للقوى المناهضة للانقلاب، إلا أن الاعتراف الدولي وحده لم يكن كافيًا. فالاختلاف في الرؤى وتضارب المصالح، والتنافس على النفوذ، جعل الصف الواحد هشًا أمام التحديات. ففي السياسة كما في الحرب، حين ينشغل الحلفاء ببعضهم وبصراعاتهم الداخلية، يربح الخصم من دون أن يطلق رصاصة.

وكان لذلك انعكاس مباشر على الميدان. لم تكن معركة صنعاء مجرد مواجهة عسكرية تُقاس بعدد الألوية أو العتاد، بل اختبارًا للقرار والانضباط والإدارة. لكن الخلافات الداخلية أربكت هذه المعركة، وأضعفت الجبهة الإعلامية والسياسية، وخلقت شعورًا لدى المواطن بأن الأولويات ليست دائمًا حيث يجب أن تكون، وأن الانقسام أضعف من أي خصم خارجي

ورغم تعقيد المشهد اليمني وحضور الإقليم، يبقى العامل الداخلي الحاسم. فلو تماسك الصف، كان بالإمكان تخفيف أثر التعقيدات الخارجية، أو على الأقل الحد منها. لكن الانقسام، حين يتحول من اختلاف مشروع إلى صراع مفتوح، يصبح عبئًا على القضية بدلًا من أن يكون قوة دافعة لها.

وأمام كل هذه التعقيدات والتحديات، ظل المواطن اليمني، ايدفع أثمانًا باهظة، في حين كان ينتظر من قياداته أن ترتقي إلى مستوى التحدي، بخطاب واحد وقرار واحد وهدف واحد: استعادة صنعاء. غير أن الخلافات، في بعض مراحل الصراع، بدت وكأنها معركة موازية، تستنزف الطاقات التي كان يفترض أن تُوجَّه نحو تحرير العاصمة وإنهاء الانقلاب.

على الجميع أن يدرك أن استعادة صنعاء ليست مسألة جغرافيا فحسب، بل استعادة لفكرة الدولة وهيبتها ومؤسساتها. وهي مهمة لا تنجح بالشعارات، بل بالمراجعة الصريحة للتجربة الماضية والاعتراف بأن الانقسام كان سببًا رئيسيًا في التعثر. فالعبرة ليست في الإنكار، بل في تصحيح المسار.

وعلى مدى 11 عامًا من الحرب والصراع، فقد سئم اليمنيون الشعارات الزائفة ولم يعودوا  يحتاجون إلى مزيد من البيانات والخطب الرنانة التي صارت تزيد من مراراتهم وآلامهم، بل إلى وحدة قرار وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. فإذا توحدت الإرادة داخل مؤسسات الشرعية، يمكن تحويل الخلاف إلى تنوع، والتباين إلى قوة، وتحويل المرحلة الصعبة إلى فرصة.

في الختام، على الجميع أن يعي جيدًا ويضع نصب عينيه، أن المعارك لا تُحسم بالمدافع وحدها، بل بوحدة الصف وتلاقي الإرادات. فالعواصم لا تعود لأوطانها بالسلاح فقط، وإنما حين يلتف أبناؤها حول هدف واحد لا يقبل التجزئة. وصنعاء، التي كانت يومًا نبض الدولة ومركز ثقلها، لن تستعيد مكانها الطبيعي إلا عندما يوقن الجميع أن الانقسام الداخلي أشد فتكا من أي خصم خارجي، وأن الطريق إليها يبدأ من اتفاق صادق لمن يحملون حلم العودة إليها.

ولا بد من صنعاء وإن طال السفر.