في زمن الانكسارات .. من يملك شجاعة علي عبدالله صالح؟
تمرّ ذكرى ميلاد الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح – رحمه الله – هذا العام، واليمن يقف على حافة غياب تاريخي غير مسبوق؛ وطنٌ مثقلٌ بالجراح، ودولةٌ تتآكل أطرافها، وشعبٌ يفتّش في ركام الحاضر عن أي معنى للأمل. في مثل هذه اللحظات القاسية، لا تصبح الذكرى مجرد استدعاءٍ للماضي، بل مرآةً نواجه بها واقعنا، وسؤالًا صريحًا عن معنى القيادة في زمن الانكسارات.
ليس المقصود هنا صناعة أسطورةٍ جديدة، ولا إعادة كتابة التاريخ بمداد العاطفة، بل محاولة فهم الفارق بين زمنٍ كان فيه القرار السياسي قادرًا – رغم كل التعقيدات – على الإمساك بخيوط الدولة، وزمنٍ تتنازع فيه القوى والولاءات، حتى كاد الوطن نفسه يصبح فكرةً مؤجلة.
في مثل هذه اللحظات، يبرز السؤال الكبير:
من يملك اليوم شجاعة علي عبدالله صالح؟
لقد جاء صالح إلى الحكم من قلب بيئةٍ قاسية، حيث لا تمنح السياسة فرصةً للضعفاء، ولا ترحم المترددين. خرج من تضاريس اليمن الصعبة، حاملاً فطرةً سياسية حادة، وقدرةً استثنائية على قراءة الواقع كما هو، لا كما يتمنى الآخرون أن يكون. لم يكن قائدًا حالمًا بالمدينة الفاضلة، بل رجل دولة يعرف أن السياسة في اليمن أشبه بالسير فوق حقلٍ من التوازنات الدقيقة.
كانت شجاعته، قبل أي شيء آخر، شجاعة القرار: اتخاذه وتنفيذه. القدرة على الوقوف في مواجهة العواصف حين يتردد الآخرون، والقدرة على الإمساك بالدولة حين تتكاثر حولها مشاريع الانقسام. لم يكن يخوض السياسة كترفٍ فكري، بل كمعركة بقاء لدولةٍ تحيط بها المخاطر من كل جانب.
ومن بين كل ما سيبقى في سجل تلك المرحلة، تبقى الوحدة اليمنية أعظم اختبارٍ للشجاعة السياسية. لم يكن قرار الوحدة خطوةً سهلة، ولا صفقةً عابرة في حسابات السلطة، بل مغامرة تاريخية أعادت صياغة الجغرافيا السياسية لليمن. لقد تحوّل حلمٌ ظل عقودًا حبيس الشعارات إلى واقعٍ سياسي غيّر وجه البلاد.
كانت الوحدة، في جوهرها، إعلانًا بأن اليمنيين قادرون – رغم كل التناقضات – على تجاوز الانقسام. لكنها كانت أيضًا امتحانًا صعبًا للدولة الجديدة، التي وجدت نفسها في مواجهة تعقيدات اجتماعية وسياسية واقتصادية هائلة.
خلال سنوات حكمه الطويلة، حاول صالح أن يرسم ملامح دولةٍ حديثة في بلدٍ مثقلٍ بإرث الفقر والصراعات. بدأت مشاريع النفط والغاز، واتسعت الجامعات والمدارس، وتقدّمت البنية التحتية خطواتٍ إلى الأمام، ولو ببطء. كما دخل اليمن تجربة التعددية السياسية، وارتفع سقف الصحافة والرأي بدرجةٍ لم يعرفها البلد من قبل.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس سؤال الماضي، بل سؤال الحاضر: ماذا بقي من الدولة بعد صالح؟
حين ينظر اليمني اليوم إلى واقعه، يرى بلدًا أنهكته الحروب، ومجتمعًا يتآكل تحت ضغط الفقر والانقسام، ومؤسساتٍ تلاشت حتى أصبح وجود الدولة نفسه محل جدل. في هذا المشهد القاتم، تبدو المقارنة مع الماضي – مهما كان مثقلًا بالمشكلات – مقارنةً مؤلمة.
لقد تراجعت الدولة إلى حدود غير مسبوقة، وتقلّصت قدرة السياسة على صناعة الحلول. وفي خضم هذا الانكسار، يعود اسم صالح إلى الذاكرة لا بوصفه رجل مرحلةٍ مضت فحسب، بل بوصفه نموذجًا لقيادةٍ كانت تملك شجاعة الإمساك بالقرار في اللحظة الصعبة.
فالشجاعة في السياسة ليست مجرد خطابٍ مرتفع النبرة، ولا شعاراتٍ تتردد في المنابر، بل هي القدرة على اتخاذ القرار حين يكون ثمنه باهظًا، والقدرة على حماية الدولة حين تتكاثر حولها مشاريع التفكك.
إن قراءة تجربة علي عبدالله صالح بعينٍ منصفة لا تعني تقديسها، ولا تجاهل العثرات والصعوبات التي واجهتها، بل تعني فهم الدروس التي تركتها. فالدول التي لا تتعلم من تاريخها محكومٌ عليها بتكرار أخطائها.
تبقى الحقيقة التي يثبتها التاريخ دائمًا: أن بعض الرجال يتحولون بعد رحيلهم إلى علاماتٍ في طريق الوطن.
وفي زمن الانكسارات التي يعيشها اليمن ،اليوم، يبقى السؤال الذي يردده اليمنيون في صمتٍ ثقيل:
في زمن الانكسارات… من يملك شجاعة علي عبدالله صالح؟