المشكلة ليست في قلة الإمكانات… بل في غياب القرار

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في اللحظات التي تتزاحم فيها الأزمات، وتختلط فيها الحقائق بالأوهام، لا تكون المشكلة الكبرى في قلة الإمكانات، بل في ضباب الرؤية. فالأمم لا تسقط لأنها فقيرة، ولا تنهض لأنها غنية، بل تسقط حين تفقد بوصلة القرار، وتنهض حين تمتلك شجاعة المواجهة.

نعيش اليوم زمناً عربياً معقداً، تتقاطع فيه المصالح الإقليمية مع الأطماع الدولية، وتتحرك فيه السياسة كرقعة شطرنج واسعة، حيث تُحرك الدول الكبرى قطعها ببرود، بينما تدفع الشعوب ثمن الحسابات الخاطئة. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لا أحد يكتب مصير أمة إلا أبناؤها.

لقد تعودنا طويلاً على خطاب التبرير. مرة نتهم المؤامرة، ومرة نحمّل التاريخ مسؤولية تعثرنا، ومرة نبحث عن شماعة خارجية نعلق عليها إخفاقاتنا. لكن الأمم الجادة لا تتقدم بالشكوى، بل بالمراجعة الصريحة.

إن السياسة ليست شعارات تُرفع في الميادين، ولا خطابات تُلقى على المنابر. السياسة الحقيقية هي القدرة على اتخاذ القرار الصعب في الوقت الصعب. هي الجرأة على الاعتراف بالخطأ قبل أن يتحول إلى كارثة وطنية. وهي قبل ذلك كله إدراك أن الدولة ليست مشروعاً مؤقتاً، بل مسؤولية تاريخية تجاه الأجيال القادمة.

المنطقة العربية اليوم تقف أمام مفترق طرق واضح. فإما أن نواصل الدوران في دوائر الخلافات الصغيرة والصراعات الهامشية، وإما أن ندرك أن العالم لا ينتظر أحداً. الدول التي كانت بالأمس تتعلم منا أصبحت اليوم تنافس في التكنولوجيا والاقتصاد والابتكار، بينما ما زلنا نختلف على قضايا استهلكها الزمن.

القوة في هذا العصر لم تعد تقاس بعدد الجيوش فقط، بل بقوة الاقتصاد، وبجودة التعليم، وبقدرة الدولة على إنتاج المعرفة. من يمتلك العلم يمتلك المستقبل، ومن يكتفي بترديد الماضي يعيش أسيراً له.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى: هل نحن مستعدون فعلاً للانتقال من مرحلة الخطاب إلى مرحلة الفعل؟

إن بناء الدولة الحديثة لا يتم بالشعارات العاطفية، بل بالمؤسسات القوية. الدولة التي تحمي القانون، وتدعم التعليم، وتفتح أبواب الاقتصاد أمام المبادرة، هي الدولة التي تصنع الاستقرار الحقيقي. أما الدول التي تدار بردود الأفعال، فإنها تبقى دائماً في موقع الدفاع.

لقد أثبتت التجارب الحديثة في المنطقة أن الإصلاح ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية. فالمجتمعات التي تؤجل التغيير خوفاً من المخاطر، تجد نفسها في النهاية أمام مخاطر أكبر بكثير. الإصلاح المدروس هو الطريق الوحيد لتجنب الانفجار.

لكن الإصلاح لا يبدأ من القوانين فقط، بل من العقلية السياسية. حين تتحول السلطة إلى مسؤولية لا إلى امتياز، وحين يصبح النقد أداة تصحيح لا تهمة خيانة، عندها فقط تبدأ الدولة في السير نحو المستقبل بثقة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة هو أن تفقد ثقتها بنفسها. فالشعوب التي تؤمن بقدرتها على التغيير تستطيع أن تتجاوز أصعب الأزمات. أما الشعوب التي تستسلم لفكرة العجز، فإنها تتحول إلى مجرد متفرج على تاريخ يكتبه الآخرون.

والواقع أن العالم لا يحترم الضعفاء، ولا ينتظر المترددين. السياسة الدولية تُدار بلغة المصالح، لا بلغة العواطف. من يملك القوة الاقتصادية والعلمية يفرض حضوره، ومن يفتقر إليها يصبح مجرد رقم في معادلات الآخرين.

لذلك فإن المشروع الوطني الحقيقي يجب أن يبدأ من الداخل: من المدرسة التي تربي العقل النقدي، ومن الجامعة التي تصنع المعرفة، ومن الاقتصاد الذي يفتح أبواب العمل والابتكار. هذه هي الجبهة الحقيقية لأي دولة تريد أن تكون لاعباً لا ساحة صراع.

وفي هذا السياق، يجب أن ندرك أن الوطنية ليست مجرد كلمات جميلة تُقال في المناسبات. الوطنية الحقيقية هي أن نضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، وأن نؤمن بأن الدولة القوية العادلة هي الضمانة الوحيدة لكرامة المواطن.

لقد مرّت أمم كثيرة في التاريخ بأزمات أشد مما نمر به اليوم، لكنها استطاعت أن تنهض لأنها امتلكت شجاعة الاعتراف بالمشكلة، ثم الإرادة الصلبة لمعالجتها. التاريخ لا يرحم المترددين، لكنه يفتح أبوابه دائماً أمام الشجعان.

إن اللحظة التي نعيشها ليست نهاية الطريق، بل بداية اختبار حقيقي لقدرتنا على التحول. فإما أن نستمر في اجترار الخلافات القديمة، وإما أن نبدأ كتابة فصل جديد من تاريخنا السياسي.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ما الذي فعله الآخرون بنا؟
بل السؤال الأهم: ماذا سنفعل نحن بأنفسنا؟

فالأمم العظيمة لا تُبنى بالصدفة، بل بالقرار. والقرار يبدأ دائماً بفكرة واضحة: أن المستقبل لا يُمنح… بل يُصنع.