حين يطول الغياب ويتحول إلى أزمة وطنية
في السياسة، كما في الحروب، لا تكفي البيانات ولا تعوضها الاجتماعات الطويلة في العواصم البعيدة. هناك لحظة حاسمة يصبح فيها المكان رسالة، ويصبح حضور القيادة في أرضها جزءًا من المعركة ذاتها. هذه اللحظة تعيشها اليمن ،اليوم.
مع حلول عيد الفطر، ينتظر اليمنيون ما هو أكثر من تهنئة رسمية أو خطاب موسمي من قيادة البلاد، ينتظرون إشارة تطمئنهم بأن دولتهم ليست مجرد فكرة تُدار من الخارج، بل واقع حي يقف على أرضه ويواجه أزماته من الداخل. ففي بلد أنهكته الحرب والانقسام، تصبح الرمزية السياسية أحيانًا أقوى من القرارات نفسها.
لا أحد يجادل في أهمية التحرك الدبلوماسي. الاجتماعات في الرياض أو غيرها من عواصم القرار العربي قد تكون ضرورية، وربما تفتح أبوابًا مغلقة في ملفات معقدة، لكن المشكلة ليست في السفر، بل في أن يتحول الخارج إلى مقر دائم لإدارة دولة مختطفة ما تزال تقاتل من أجل البقاء.
الدول التي تمر بأزمات كبرى لا تُدار من الفنادق وقاعات الاجتماعات. التاريخ السياسي مليء بالأمثلة: القادة الذين بقوا مع شعوبهم في أصعب اللحظات صنعوا شرعية لا يمكن شراؤها ولا استيرادها. أما أولئك الذين أداروا أوطانهم من بعيد، فقد اكتشفوا متأخرين أن المسافة ليست جغرافية فقط، بل سياسية ونفسية أيضًا.
في الحالة اليمنية، المسألة أكثر حساسية. البلاد مختطفة في يد عصابة كهنوتية حوثية، ومجتمع مثقل بالأزمات الاقتصادية والإنسانية. في مثل هذه الظروف، يصبح وجود القيادة داخل الوطن جزءًا من إعادة بناء الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع. فالدولة ليست مؤسسات فقط، بل شعور عام بأن هناك من يقف مع الناس في اللحظة الصعبة.
الخطاب السياسي الذي يبرر الغياب غالبًا ما يتحدث عن "المشاورات" و"التنسيق" و"الحراك الدولي". كلمات رنانة، لكنها لا تكفي لإقناع شعب يرى أن وطنه يُدار من مسافة تتعدى الحدود.
إن الشعوب لا تقيس السياسة بعدد الاجتماعات، بل بمدى قرب القيادة من معاناتها اليومية. والسؤال هنا ليس شخصيًا ولا موجهًا إلى فرد بعينه، بل هو سؤال يتعلق بفكرة الدولة نفسها: هل يمكن لدولة أن تستعيد هيبتها بينما قيادتها بعيدة عن أرضها؟ وهل يمكن بناء مشروع وطني بينما مركز القرار خارج الحدود؟
الواقع لا يحتاج إلى كثير من الشرح؛ يكفي أن ننظر إليه بعين مجردة لنرى أن الدول لا تُشيَّد على طاولات الفنادق، ولا تعالج مشاكلها من الخارج. الدول ليست إشارات تُدار عن بُعد، ولا خرائط تُحرَّك من خلف الشاشات.
الدول تُبنى من الداخل؛ من نبض المدن، من عرق العاملين، ومن صبر الذين يتمسكون بأرضهم رغم قسوة الظروف.
حين تبتعد السلطة عن جغرافيتها الحقيقية، تفقد شيئًا فشيئًا قدرتها على الإحساس. تتحول القرارات إلى نصوص باردة، منفصلة عن واقع حي يتغير كل لحظة. فالقائد الذي لا يسمع معاناة الناس، ولا يرى وجوه مواطنيه، ولا يلمس تعب الحياة اليومية، لن يستطيع أن ينسج حلولًا تنتمي إلى الأرض التي يفترض أن يقودها.
اليمنيون اليوم لا يبحثون عن خطابات مطولة ولا عن تفسيرات دبلوماسية معقدة. ما يريدونه ببساطة هو أن يروا دولتهم حاضرة بينهم، وأن يشعروا بأن قيادتهم تشاركهم القلق ذاته، والفرح ذاته، والأمل ذاته.
في السياسة، هناك قرارات تغيّر مسار الدول، وأحيانًا يكون أبسطها وأكثرها وضوحًا: العودة إلى الوطن.