27 فبراير في اليمن.. حين انحازت السياسة إلى منطق الدولة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ليست بعض التواريخ مجرد أرقامٍ في الروزنامة، بل علاماتٌ فارقةٌ في مسار الأمم. و27 فبراير في اليمن واحدٌ من تلك التواريخ التي يصعب المرور عليها مرور العابر. ففي ذلك اليوم من عام 2012، جرى تسليم السلطة سلمياً، في لحظةٍ بدت وكأنها محاولة واعية لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة، في مواجهة رياح عاتية هبّت على المنطقة بأسرها.

كانت المنطقة العربية آنذاك تغلي. أنظمةٌ تتهاوى، وشعوبٌ تبحث عن أفقٍ جديد، وخرائطُ سياسية يعاد رسمها على عجل. وفي قلب هذه العاصفة، كان اليمن يقف على حافة المجهول. غير أن ما جرى لم يكن سقوطاً مدوياً، بل انتقالاً محسوباً، تمخّض عن تسوية سياسية رعتها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وأفضت إلى انتخاباتٍ رئاسية توافقية جاءت بـ عبدربه منصور هادي رئيساً، خلفاً للرئيس الشهيد علي عبدالله صالح.

لم يكن المشهد بسيطاً، ولا كانت حساباته سهلة. فالرئيس الذي حكم اليمن لأكثر من ثلاثة عقود لم يخرج مهزوماً في معركةٍ عسكرية، بل غادر السلطة عبر ترتيباتٍ سياسية، في سابقةٍ نادرة في السياق العربي. وهنا تكمن أهمية اللحظة: لقد جرى الانتقال عبر أدوات السياسة، لا عبر منطق الغلبة.

27 فبراير لم يكن تتويجاً لانتخاباتٍ فحسب، بل كان إعلاناً ضمنياً بأن فكرة التداول السلمي للسلطة قابلةٌ للتحقق، حتى في بيئةٍ قبليةٍ مركّبة، وفي دولةٍ تعاني هشاشةً بنيوية. لقد بدا وكأن اليمن يختبر، في لحظةٍ واحدة، قدرته على الجمع بين التقاليد الثقيلة ومتطلبات الدولة الحديثة.

غير أن قراءة الحدث بمعزلٍ عن سياقه الإقليمي والدولي تظل ناقصة. فالمبادرة الخليجية لم تكن عملاً خيرياً سياسياً، بل تعبيراً عن إدراكٍ بأن انهيار اليمن الكامل سيكون كلفةً استراتيجية على الجميع. ومن هنا، تداخلت الإرادة الوطنية مع حسابات الجوار، لتنتج صيغة انتقالٍ جنّبت البلاد ـ في تلك اللحظة على الأقل ـ سيناريوهات أكثر قسوة.

لكن التاريخ لا يكتب بالنوايا وحدها. فقد كشفت السنوات التالية أن الانتقال السياسي، إذا لم يُدعّم بإصلاحاتٍ عميقة تمسّ بنية الدولة والاقتصاد وموازين القوى، يظل هشّاً أمام العواصف. ومع ذلك، تبقى لحظة 27 فبراير شاهداً على أن السياسة كانت، ولو مؤقتاً، أقوى من السلاح.

إن قيمة ذلك اليوم لا تكمن فقط في أنه نقل السلطة من رئيسٍ إلى آخر، بل في أنه فتح سؤال الدولة في اليمن: أي دولة يريدها اليمنيون؟

 دولة الغلبة أم دولة الشراكة؟

 دولة الفرد أم دولة المؤسسات؟

ربما تعثّر المسار، وربما انحرفت الوقائع عن الآمال الأولى، لكن الأمم لا تُقاس فقط بنجاحاتها النهائية، بل أيضاً بلحظاتها التي حاولت فيها أن تختار الطريق الأصعب: طريق التسوية بدلاً من الصدام.

في 27 فبراير، انحازت السياسة ـ ولو لبرهة ـ إلى منطق الدولة. وتلك، في تاريخ الشعوب، لحظةٌ لا ينبغي أن تُنسى.