في ليلة القدر… حين تطلق البنادق على الساجدين

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في تلك الليلة التي ينتظرها المؤمنون بقلوب خاشعة، ليلةٍ يتقرب فيها الناس إلى ربهم بالدعاء والرجاء، وقعت في اليمن فاجعة لا تليق بإنسانية البشر ولا حتى بأبسط قواعد الأخلاق. ليلة كان يفترض أن تكون ليلة سكينة وسلام، تحولت في قرية محرق بمحافظة حجة إلى ليلة رعب ودم، بعدما امتدت يد الغدر لتصيب أناساً لم يحملوا سلاحاً ولم يرفعوا صوتاً إلا بالدعاء.

ما جرى هناك ليس حادثاً عابراً يمكن أن يطويه النسيان أو يمر عليه الزمن مرور الكرام. إنه فصل جديد من سجل طويل من العنف الذي تمارسه مليشيا الحوثي، سجل يتضخم يوماً بعد يوم بدماء الأبرياء. فالذين استُهدفوا في تلك الليلة لم يكونوا مقاتلين في جبهة، ولم يكونوا طرفاً في مواجهة مسلحة. كانوا مصلين صائمين يقفون بين يدي الله، في لحظة روحانية لا يختلط فيها إلا صوت التلاوة وأنين الدعاء.

حين تُطلق النار على من يصلّي، يصبح السؤال أكبر من مجرد جريمة. يصبح سؤالاً عن طبيعة الفاعل نفسه، وعن أي منطق يمكن أن يبرر تحويل بيوت الله إلى ساحات خوف. فالعالم عرف حروباً كثيرة، وعرف نزاعات لا تنتهي، لكنه أيضاً عرف حدوداً أخلاقية لا تُكسر بسهولة. استهداف المصلين في ليلة من أعظم ليالي السنة الدينية ليس فقط تجاوزاً لتلك الحدود، بل إعلان صريح بأن من ارتكب ذلك لم يعد يقيم وزناً لأي حرمة أو قدسية.

المأساة أن هذه الحادثة لا تأتي منفصلة عن سياق طويل من العنف المنهجي. فالمليشيا الحوثية، منذ سنوات، تتصرف كما لو أن اليمن أرض مفتوحة للتجارب القاسية: قمع، اعتقالات، تجنيد قسري، وتغذية مستمرة لثقافة الحرب. ومع كل حادثة جديدة يتأكد أن منطق القوة عندها لا يعرف التوقف، وأن السلاح أصبح لغتها الوحيدة في التعامل مع المجتمع.

لكن ما يثير القلق أكثر من الجريمة نفسها هو الصمت الذي يحيط بها. فقد اعتاد العالم، للأسف، أن يسمع أخبار اليمن ثم يواصل يومه كأن شيئاً لم يكن. بيانات شجب مقتضبة، عبارات دبلوماسية حذرة، ثم يعود كل شيء إلى رتابته المعتادة. هذه اللغة الباردة لم تعد تقنع أحداً في بلدٍ يعيش مأساة يومية، ولا يمكن أن تردع جماعة اعتادت أن تمضي في طريقها بلا حساب.

إن الصمت في مثل هذه اللحظات ليس حياداً. الصمت، في كثير من الأحيان، يمنح الجريمة فرصة لتتكرر. فعندما لا يرى الجاني رداً حقيقياً على أفعاله، يفسر ذلك على أنه ضوء أخضر غير مباشر للاستمرار. وهكذا تتحول المأساة من حادثة واحدة إلى نمط متكرر، وتصبح حياة الناس رهينة مزاج القوة المسلحة.

اليمنيون اليوم لا يواجهون مجرد أزمة سياسية أو نزاعاً عسكرياً تقليدياً. ما يواجهونه هو مشروع يحاول إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية ضيقة لا مكان فيها للتعدد ولا للاختلاف. مشروع يعتمد على تعبئة الأجيال الصغيرة بخطاب الكراهية والصراع، ويزرع في عقولهم فكرة أن العنف هو الطريق الطبيعي للسلطة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالمشكلة لا تقف عند حدود الضحايا الذين يسقطون اليوم، بل تمتد إلى مستقبل بلد بأكمله. حين يُربى الأطفال على لغة السلاح، وحين يصبح الموت خبراً عادياً في حياة الناس، فإن المجتمع كله يدخل في دائرة مفرغة يصعب الخروج منها.

ولذلك فإن قضية اليمن ليست شأناً محلياً بسيطاً يمكن تركه يتآكل ببطء. إنها قضية استقرار إقليمي وإنساني في آن واحد. استمرار الفوضى والعنف في بلد له هذا الموقع والتاريخ لن يبقى محصوراً داخل حدوده، بل سينعكس على المنطقة كلها.

في المقابل، لا يمكن لليمنيين أنفسهم أن يقبلوا بأن يتحول بلدهم إلى ساحة مفتوحة لهذا النوع من المآسي. فاليمن الذي عرف عبر تاريخه الطويل بالتسامح والتنوع الثقافي لا يمكن أن يُختصر في صورة جماعة مسلحة تحكم بالخوف. هذا البلد الذي كان يوماً محطة للحضارات والتجارة والعلم يستحق مستقبلاً مختلفاً تماماً عن حاضر الدم الذي يُفرض عليه اليوم.

إن دماء المصلين التي سالت على سجاد المساجد في تلك الليلة ليست مجرد أرقام تضاف إلى قوائم الضحايا. إنها تذكير قاسٍ بأن الصراع في اليمن لم يعد مجرد معركة على السلطة، بل أصبح معركة على روح المجتمع نفسه. معركة بين ثقافة حياة تريد أن تبقى، وثقافة موت تحاول أن تفرض نفسها بالقوة.

والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن تجاهل هذه الوقائع لن يؤدي إلا إلى تعقيدها. فكل يوم يمر بلا حل جاد يضيف طبقة جديدة من الألم إلى ذاكرة اليمنيين، ويجعل الطريق إلى السلام أكثر صعوبة.

ما حدث في محرق حجة يجب أن يكون لحظة مراجعة حقيقية، لا مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار. فحين تصل الجرأة إلى حد إطلاق النار على الساجدين في ليلة القدر، فإن ذلك يعني أن الانحدار الأخلاقي بلغ مستوى لا يمكن السكوت عنه.

اليمنيون لا يحتاجون إلى خطابات طويلة بقدر ما يحتاجون إلى موقف واضح يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان وحقه في الحياة. أما الذين يظنون أن الزمن سيطوي مثل هذه الجرائم، فهم ينسون أن دماء الأبرياء لا تجف بسهولة من ذاكرة الشعوب.

وفي النهاية تبقى الحقيقة البسيطة: لا يمكن لأي جماعة أن تحكم بلداً كاملاً بالخوف إلى الأبد. قد ينجح السلاح في فرض الصمت لفترة، لكنه لا يستطيع أن يمحو توق الناس إلى الحرية والكرامة. تلك الرغبة ستبقى، مهما طال الليل، أقوى من كل البنادق.