في صنعاء… يُطلب منك أن تجوع وتصمت، وأن تصفق لجلادك أيضاً..

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

الحديث عن صنعاء الجريحة يستحيل أن يكون برص الكلمات لكنه يُكتب بمدى المآسي التي تدثر البيوت الحزينة والأزقة المنكوبة والحارات التي يسكنها الجوعى والمنهكون من لظى العيش، وتسلط من يحكمونها بالحديد والقمع والترهيب والحرمان من كل سبل العيش الكريم لأهلها.

في صنعاء لم يعد الصمت فضيلة، بل صار شرطاً للبقاء على قيد الحياة، لم يعد خياراً أخلاقياً، بل غريزة بقاء.المعادلة بسيطة حدّ الفجاجة: أن تجوع ،وتسكت. أن تُسلب، وتسكت. أن تُهان، وتسكت  وكأن الوطن تحوّل إلى مسرح كبير يُطلب فيه من الضحية أن تحفظ دورها جيداً و أن تصفق لجلادها بحرارة.

وفي صنعاء أيضًا، لم يعد الألم حدثاً طارئاً، بل صار نظاماً يومياً
المطلوب أن تنام جائعاً أنت وأولادك، بينما تُرفع شعارات “الصمود” على جدران خاوية من الخبز، جدران لا تعرف رائحة الطحين ولا صوت القدر وهو يغلي.  
المطلوب منك أن تذهب إلى عملك كل صباح بلا راتب، كأن الكرامة بند كمالي في ميزانية أُلغيت منذ زمن.
المطلوب أن تبيع بيتك أو أرضك لتدفع ثمن علاجك في مستشفى حكومي يفترض أنه بُني من مالك أنت، ثم يطالبك بثمن سريرٍ ودواءٍ وقطرة مصل.

والمطلوب أن تدفع قيمة الكهرباء والغاز والبترول والديزل بأضعاف سعرها، بينما تُحكى لك حكايات المؤامرة الكونية.
المطلوب أن تبيع ما فوقك وما تحتك، وأن تمد يدك للناس، لتدفع رسوم تعليم أولادك في مدارس وجامعات حكومية صارت “استثماراً خاصاً” بلا إعلان.

وفي الجهة الأخرى من المشهد، ترى مليشيا الحوثي الارهابية وهم يشيدون القصور، ويرفعون العمائر الضخمة، ويتجولون بأحدث السيارات، ويأكلون في أغلى المطاعم، ويبعثرون الملايين في التفاهات، بينما الشعب يموت جوعاً لا مجازاً بل حقيقة.
تراهم يتحدثون عن الزهد وهم يغرقون في البذخ، عن العدالة وهم يحتكرون السلطة، عن الكرامة وهم يسحقون كرامة الناس عند أول حاجز.

المطلوب أن تتحمل كل أشكال القهر والباطل أنت ومن حولك من المستضعفين… وأن تظل ساكتاً.
فإن تكلمت، صرت خائناً.
إن صرخت، صرت عميلاً.
إن طالبت براتبك، صرت مرتزقاً.
إن قلت إن أطفالك جياع، صرت طابوراً خامساً.
تُوزَّع التهم كما تُوزَّع نشرات الأخبار، بلا دليل وبلا حياء.

هذا ليس حكم دولة، بل إدارة خوف.
ليس مشروعاً وطنياً، بل اقتصاد جباية.
ليس دفاعاً عن السيادة، بل احتكاراً لها.

تعلمنا من مدرسة الصحافة التي يمثلها جهاد الخازن أن الكلمة حين تخاف تموت، وأن الوطن حين يُختزل في جماعة يضيق حتى يختنق. والوطن في اليمن أوسع من جماعة، وأكبر من شعار، وأعمق من خطبة.

صنعاء اليوم ليست مدينة بلا خبز فقط، بل مدينة يُراد لها أن تكون بلا صوت.
لكن التاريخ يقول إن الشعوب قد تصبر، نعم، لكنها لا تموت.
وأن الجوع قد يُسكت المعدة، لكنه لا يُسكت الضمير.

وقد يُرغمك القهر على الصمت حيناً، لكنه لا يستطيع أن يُطفئ في داخلك تلك الشرارة الصغيرة التي تقول أن هذا الوطن لنا لا ملكية خاصة لأحد، ولا غنيمة لجماعة مارقة لا تعرف إلًا ولا ذمة.