رمضان الجوع وخطابات الوهم .. حين يغيب اليمن عن منبر الإرهابي عبد الملك الحوثي

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في كل شهر رمضان، ينتظر اليمنيون كلمة تُلامس وجعهم، وتقترب من معاناتهم، وتُشعرهم بأن ثمة من يسمع أنينهم في ليالي العتمة الطويلة. لكن ما يسمعونه في خطابات الكاهن عبد الملك الحوثي يأتي من عالمٍ آخر، منفصلٍ تمامًا عن طوابير الجوع، وعن بيوتٍ انقطعت عنها الكهرباء منذ سنوات، وعن موظفين انقطعت رواتبهم حتى باتوا يعيشون على الحوالات والديون.

خلال الشهر الفضيل، حيث يُفترض أن تتعزز قيم الرحمة والتكافل، تتحول المنابر إلى منصات تعبئة أيديولوجية، ويغدو الخطاب أقرب إلى دروس مطولة في التاريخ المؤدلج والسرديات الطائفية، بدل أن يكون مساحة لمصارحة الناس بحقيقة أوضاعهم، أو تقديم رؤية للخروج من الانهيار الاقتصادي الذي يفتك بالمجتمع. المواطن في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية لا يسأل عن وقائع صراعات غابرة، بل عن كيس دقيق، أو أسطوانة غاز، أو راتبٍ متوقف منذ سنوات.

المفارقة المؤلمة أن الكاهن عبد الملك الحوثي يتحدث بنفسٍ طائفي تعبوي، وكأن البلاد تعيش حالة ازدهار واستقرار، بينما الواقع يشهد أسوأ أزمة إنسانية في تاريخ اليمن الحديث. الأسواق ملأى بالبضائع لمن يملك القدرة، لكنها موصدة في وجه الغالبية التي تآكلت قدرتها الشرائية. الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة تتراجع، والبطالة تتفاقم، ومع ذلك لا تجد هذه الملفات موقعًا مركزيًا في خطابٍ يُفترض أنه موجّه لشعبٍ يرزح تحت أعباء معيشية خانقة.

الخطاب السياسي في جوهره ليس استعراضًا ثقافيًا ولا منبرًا للمواعظ العامة فحسب، بل هو تعبير عن عقدٍ معنوي بين الحاكم والمحكوم. قادة العالم — على اختلاف توجهاتهم — يحرصون في كلماتهم على مخاطبة هموم شعوبهم المباشرة، ويقدمون وعودًا تتعلق بتحسين الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة، سواء صدقوا في تنفيذها أم أخفقوا. أما حين ينفصل الخطاب عن الواقع، فإنه يفقد معناه، ويتحول إلى تكرارٍ أجوف لا يغيّر من حياة الناس شيئًا.

في الحالة اليمنية، يبدو أن الأولوية ليست لمعالجة الانهيار الاقتصادي، بل لتعميق مشروعٍ فكري ذي طابع طائفي وسلالي، يعيد إنتاج المجتمع وفق رؤية ضيقة، ويكرّس الانقسام بدل أن يسعى إلى رأبه. التركيز المستمر على قضايا خارجية، وربط مصير اليمن بصراعات إقليمية، يعكس انشغالًا واضحًا بتثبيت موقع الجماعة ضمن محورٍ سياسي تقوده إيران، أكثر من انشغالها بإعادة بناء الدولة أو تخفيف معاناة المواطنين.

إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط تجاهل الجوع والفقر، بل إعادة تشكيل الوعي الجمعي على أسس تعبئة مستمرة، تجعل من المجتمع في حالة استنفار دائم، وتُبقي الأولوية للصراع لا للإعمار. فبدل أن يكون رمضان شهر مراجعة للسياسات التي أوصلت الناس إلى هذا الحال، يصبح موسمًا لتعزيز خطاب المواعظ والولاء، وترسيخ سردية المظلومية التاريخية التي تُستخدم لتبرير الحاضر بكل أزماته.

اليمني البسيط لا تعنيه الخرائط الكبرى بقدر ما تعنيه فاتورة الكهرباء، ولا تشغله الشعارات بقدر ما يشغله مستقبل أطفاله. وحين يستمع إلى خطابٍ لا يجيب عن سؤال الراتب، ولا يقدّم خطة لتحسين الخدمات، ولا يعترف بحجم المعاناة، فإنه يشعر بأن المسافة بينه وبين من يحكمه بالحديد والنار تتسع يومًا بعد يوم. هذا الشعور بالغربة داخل الوطن هو أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي سلطة، لأنه يبدّد الثقة، ويعمّق الإحباط، ويفتح الباب أمام مزيد من الانقسام.

اليمن ليس ساحةً لتصفية حسابات إقليمية، ولا مختبرًا لتجارب أيديولوجية. هو وطنٌ عريق بتاريخه وتنوعه، يستحق خطابًا وطنيًا جامعًا، يعترف بالتعدد، ويقدّم مصلحة المواطن على أي مشروع آخر. إن تحويل المنابر إلى أدوات تعبئة فكرية لخدمة أجندات خارجية، أو لتكريس تمييز سلالي، يضعف النسيج الاجتماعي، ويقوّض فكرة الدولة الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية.

لقد أثبتت التجارب أن الشعوب قد تصبر على الفقر حين ترى أفقًا للأمل، لكنها لا تصبر طويلًا على خطابٍ يتجاهلها. واليمنيون اليوم بحاجة إلى إنهاء المشروع الفارسي في اليمن عبر ذراعه الحوثية، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كمؤسسة لخدمة الجميع، لا كمنصة لفرض رؤية أحادية.