الحديدة على فوهة التصعيد .. ورسالة لا تحتمل التجاهل

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

حين تتحرك مليشيات الحوثي في محافظة الحديدة بهذا الزخم، وتنشر مقاتليها في 317 ساحة خلال أيام قليلة، فإن الأمر لا يتعلق بمناورة عسكرية عابرة، بل برسالة سياسية صريحة: نحن هنا، ونستعد لما هو أكبر. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس ماذا يريد الحوثيون، بل ماذا يعني ذلك لليمن والمنطقة؟

الحديدة ليست مدينة هامشية في خريطة الصراع. إنها عقدة استراتيجية تطل على البحر الأحمر، وتتحكم بشريان اقتصادي يهم اليمن والعالم. ومن يسيطر عليها لا يملك ميناءً فقط، بل يملك ورقة ضغط جيوسياسية. لذلك فإن تحشيد هذا العدد من المقاتلين في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن الحسابات الإقليمية الأوسع، ولا عن رغبة واضحة في رفع سقف التوتر.

الحديث عن 317 ساحة تحشيد ليس رقماً دعائياً. إنه مؤشر إلى تعبئة منظمة، وإلى قرار بالتصعيد. وهذا التصعيد لا يهدد خصوم الحوثيين وحدهم، بل يضع المدنيين أولاً في دائرة الخطر. كل تجربة سابقة علمتنا أن أي عسكرة مفرطة للحديدة تعني موجة نزوح جديدة، ومزيداً من الاختناق الاقتصادي، وتعقيداً إضافياً للأزمة الإنسانية التي لم تبرأ بعد.

لكن الأخطر أن الحديدة ليست مجرد شأن يمني داخلي. هي نافذة على البحر الأحمر، والبحر الأحمر ليس بحيرة مغلقة. إنه ممر حيوي تمر عبره تجارة العالم وإمدادات الطاقة. وأي محاولة لتحويل جزء من الحرب إلى هذا الممر تعني إدخال المنطقة في مرحلة مختلفة تماماً من الصراع.

هنا يبرز البعد الإيراني بوضوح. فوجود جماعة مسلحة مرتبطة بطهران على ساحل استراتيجي كهذا يمنح إيران فرصة لنقل المواجهة من البر إلى البحر، أو على الأقل استخدامه كورقة تفاوض وضغط. ليست هذه قراءة نظرية، بل واقع أثبتته تجارب سابقة في الإقليم، حيث تتحول الممرات البحرية إلى ساحات رسائل نارية متبادلة.

لهذا فإن تحرير الحديدة من سيطرة مليشيات الحوثي والحرس الثوري الإيراني لا ينبغي أن يُنظر إليه كمجرد هدف عسكري محلي. إنه خطوة استراتيجية لحماية الأمن القومي العربي، وضمان سلامة الملاحة الدولية، ومنع تحويل البحر الأحمر إلى ساحة مساومات إقليمية. المسألة هنا تتعلق بمن يملك قرار الحرب والسلم في هذا الجزء الحساس من العالم.

البديل عن الحسم ليس السلام، بل بقاء الوضع معلقاً على حافة الانفجار. وكلما طال أمد هذا التعليق زادت كلفته على اليمنيين أولاً، وعلى المنطقة ثانياً. لا أحد يرغب في جبهة جديدة، لكن تجاهل التحشيد القائم لن يلغي مخاطره.

إن ما يجري في الحديدة اليوم هو جرس إنذار. ليس لأن الحرب وشيكة بالضرورة، بل لأن ميزان الردع يُختبر من جديد. وإذا تُركت الرسالة بلا رد سياسي واستراتيجي واضح، فإن المرحلة المقبلة قد تحمل ما هو أعقد من مجرد تحشيد في ساحات. إنها لحظة تتطلب وضوحاً في الرؤية، وحزماً في القرار، قبل أن يصبح البحر نفسه جزءاً من المعركة.