اقتصاد الظل الإيراني: تضخم هيمنة الحرس الثوري في ظل التحديات الاقتصادية
يُعد الاقتصاد الإيراني نموذجاً فريداً تتشابك فيه شبكة معقدة من المؤسسات العسكرية والوقفية والسيادية، تُعرف باسم "المجمع العسكري– الوقفي"، التي تُحدد مسار الموارد والنفوذ بعيداً عن منطق السوق أو الدولة المركزية التقليدية. وقد شهد هذا الهيكل تحولاً ملحوظاً، حيث انتقل مركز الثقل الاقتصادي من "البازار الكبير" التقليدي إلى هيمنة الحرس الثوري، مدفوعاً بالعقوبات الأمريكية وتوسع سيطرة الحرس على مفاصل النشاط الاقتصادي.
في الوقت الذي سجل فيه الريال الإيراني أدنى مستوياته التاريخية أمام الدولار، تجاوز سعر الصرف مستويات قياسية، مما أثار احتجاجات واسعة النطاق. ورغم أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي يبلغ حوالي 400 مليار دولار وفقاً لصندوق النقد الدولي، فإن هذا الرقم لا يعكس البنية الحقيقية للاقتصاد، حيث تسيطر الحكومة التنفيذية على جزء محدود من النشاط، بينما تتوزع السلطة الفعلية على كتل موازية تمتلك أدوات مالية وتنظيمية مستقلة.
يأتي الحرس الثوري الإيراني في طليعة هذه الكتل، مُشكلاً الفاعل الاقتصادي الأثقل وزناً، حيث يمتد نفوذه إلى قطاعات استراتيجية تشمل النفط غير المباشر، والغاز، والبتروكيماويات، والاتصالات، وإدارة الموانئ. ويعود هذا التوسع الاقتصادي المتجذر إلى مرحلة الحرب العراقية الإيرانية، حيث تزايد دور الحرس في مشاريع إعادة الإعمار عبر ذراعه التنفيذية "خاتم الأنبياء للإنشاءات"، التي حصلت على عقود حكومية كبرى غالباً بالإسناد المباشر، مما أدى إلى مزاحمة القطاع الخاص والعمل في ظل غياب الشفافية الضريبية.
تسيطر شبكات الحرس الثوري والمؤسسات الوقفية الدينية ("بنياد") على حصة ضخمة من الاقتصاد. وتشير تقديرات معهد كلينغندايل الهولندي إلى أن سيطرة الحرس المباشرة وغير المباشرة تتراوح بين 30% و40% من إجمالي النشاط الاقتصادي، بينما تقدر حصة "البنياد" بما بين 20% و25%، نظراً لإعفائها الضريبي وغياب الرقابة المالية. وفي المقابل، تُقدر الحصة الفعلية التي تديرها الحكومة الرسمية بأقل من 25%، بينما لا تتجاوز حصة القطاع الخاص الحقيقي 10%، مما يجعله الحلقة الأضعف في هذه المعادلة الاقتصادية المعقدة.
هذه الهيمنة تتجاوز الأنشطة الرسمية، إذ يمارس الحرس أنشطة غير شرعية تشمل تهريب النفط والوقود إلى دول مثل اليمن والصين، مستخدماً شبكات واسعة وموانئ غير شرعية. وقد أشار الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد سابقاً إلى أن الحرس يمتلك منافذ خارجة عن سيطرة إدارة الجمارك الحكومية.
في ظل هذه التطورات، يبرز تعاظم نفوذ مجتبى خامنئي، المرشح لخلافة المرشد الأعلى، الذي بنى نفوذه عبر علاقاته الوثيقة بالأجهزة الأمنية والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري. ويعني هذا الارتباط الوثيق دعماً إضافياً لتعزيز هيمنة الحرس على البنية الاقتصادية للدولة، مما يضع تحديات إضافية أمام استقرار الاقتصاد الكلي الهش الذي يعاني من تضخم مرتفع ومحدودية في قدرة الحكومة على فرض السياسات المالية.