الخليج واليمن .. فرصة متأخرة لمواجهة المشروع الإيراني
من يتابع تطورات المنطقة خلال العقدين الماضيين يعرف أن اليمن كان من أوائل الدول العربية التي دفعت ثمن المشروع الإيراني في المنطقة. فمنذ عام 2003، حين بدأت ملامح التمدد الإيراني تظهر بوضوح بعد سقوط بغداد، كانت صنعاء تدرك أن ما يجري في العراق لن يتوقف عند حدوده، وأن إيران ستبحث عن موطئ قدم جديد في الجغرافيا العربية.
في تلك السنوات، بدأت طهران تبني بهدوء ذراعها في اليمن عبر دعم جماعة الحوثي بالسلاح والمال والتدريب. واليمن يومها لم يكن يملك ترف الصمت، فحذر مرارًا أشقاءه في الخليج من خطورة هذا المشروع، ومن سوء نيات إيران تجاه المنطقة العربية. غير أن كثيرين اعتبروا الأمر شأنًا يمنيًا داخليًا، أو صراعًا محليًا يمكن احتواؤه.
إيران لم تتعلم من تجربتها الطويلة مع جيرانها. خاضت حربًا مدمرة مع العراق استمرت ثماني سنوات، ثم وجدت نفسها بعد سقوط بغداد أمام فرصة لم تكن تحلم بها. كان يمكن أن تتجه إلى سياسة حسن الجوار، لكنها اختارت طريقًا آخر: طريق المليشيات، وتصدير الأزمات، وبناء النفوذ خارج حدودها.
وفي اليمن، ظل البلد يقف وحيدًا تقريبًا في مواجهة هذا التمدد، رغم الفارق الهائل في الإمكانيات والموارد. بل إن المفارقة المؤلمة أن بعض الدول الخليجية – التي تتعرض اليوم لاعتداءات إيرانية مباشرة – كانت في فترات سابقة تساعد، بشكل مباشر أو غير مباشر، على إضعاف اليمن أو تعطيل معركته مع الحوثيين.
وليس سرًا أن اليمن كان يقترب أكثر من مرة من حسم المواجهة مع المليشيا الحوثية المتمردة الخارجة على القانون والنظام الجمهوري. لكن في كل مرة كانت تظهر حسابات إقليمية معقدة تعطل هذا الحسم، وتفرض وقف المعركة أو تجميدها، وكأن المطلوب إبقاء اليمن في حالة استنزاف دائم.
اليوم تغيرت الصورة. فالدول التي كانت ترى الخطر الإيراني بعيدًا عنها بدأت تكتشف أنه أصبح على أبوابها. الصواريخ والطائرات المسيّرة لم تعد مشكلة يمنية فقط، بل أصبحت تهديدًا مباشرًا للخليج كله، بل امتد العدوان ليطال دولًا عربية أخرى، ومنها الأردن.
لهذا أعتقد أن اللحظة الحالية تفرض على دول الخليج إعادة ترتيب الأولويات. فالمشكلة لم تكن يومًا في اليمن، بل في المشروع الإيراني الذي وجد في اليمن منصة متقدمة للضغط على المنطقة. وإذا كان الهدف فعلًا هو تقليم مخالب إيران في الجزيرة العربية، فإن الطريق يمر عبر اليمن أولًا.
إن دعم استعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي وإعادة النظام الجمهوري ليس مسألة يمنية داخلية، بل هو جزء من معركة أوسع تتعلق بأمن المنطقة كلها. فالميليشيات لا تعيش إلا في الفراغ، وكلما استعاد اليمن دولته تقلص نفوذ المشروع الفارسي في جنوب الجزيرة العربية.
أقول هذا الكلام وأنا لا أخفي حزني الشديد لما تعرضت له دول الخليج والأردن من اعتداءات إيرانية في الفترة الأخيرة. فهذه الهجمات تؤكد مرة أخرى أن المشروع الإيراني لا يعرف حدودًا جغرافية ولا يحترم سيادة الدول.
وربما تكون المفارقة أن الفرصة التي لم تُستثمر قبل سنوات أصبحت اليوم أكثر وضوحًا. فاليمن لم يتغير، والخطر الإيراني لم يتغير أيضًا، لكن الوعي بحقيقة هذا الخطر أصبح أكبر.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تستفيد المنطقة من دروس السنوات الماضية، أم تكرر الأخطاء نفسها؟
الإجابة، كما يبدو، ستحدد شكل الشرق الأوسط في السنوات القادمة.