اليمن بين قيود السياسة وحق الدفاع عن الدولة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

أثبتت الأحداث والمواجهات العسكرية الدائرة في المنطقة أن كل دولة من الدول المنخرطة في الصراع، سواء كانت في موقع الهجوم أو الدفاع، تسعى بكل ما تمتلك من قوة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، والدفاع عن أمنها القومي، أو فرض معادلات جديدة تخدم مصالحها. غير أن اليمن تبدو الاستثناء الوحيد في هذه المعادلة، إذ تبدو مقيدة عن تحقيق أهدافها الوطنية في إنهاء الخطر الحوثي الذي يعبث بأمنها واستقرارها، ويقوض مؤسساتها، ويدمر منجزاتها، ويثقل كاهل شعبها بمزيد من المعاناة.

ففي الحرب الدائرة حالياً، تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أقصى قدراتها العسكرية في استهداف إيران، بهدف إضعاف نظامها وتدمير ترسانتها العسكرية ومنشآتها النووية، وتقليص خطرها الذي تعتبره تهديداً مباشراً لأمن المنطقة واستقرارها. وفي المقابل، تستميت إيران في الرد على تلك الضربات عبر استهداف إسرائيل ومحاولة توسيع دائرة المواجهة، كما تسعى إلى جرّ دول الخليج إلى خطوط الصراع من خلال استهدافها بالصواريخ والطائرات المسيرة، في محاولة للتأثير على أوضاعها الأمنية والاقتصادية.

أما دول الخليج العربي، فقد سخّرت كل إمكاناتها العسكرية والدفاعية للتصدي لهذه التهديدات، فاعترضت الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وبذلت كل ما تستطيع للحفاظ على أمنها واستقرارها وحماية شعوبها ومنشآتها الحيوية. وهكذا، نجد أن كل طرف في هذا الصراع يتحرك بحرية كاملة للدفاع عن مصالحه، أو لتحقيق أهدافه السياسية والعسكرية دون قيود تذكر.
غير أن المشهد يبدو مختلفاً تماماً في اليمن. ففي الوقت الذي تستميت فيه الدول المهاجمة والمدافعة لتحقيق أهدافها وإنهاء الأخطار التي تهددها، تستمر الشرعية اليمنية في البقاء في موقع المتفرج، مقيدة بقيود سياسية وضغوط دولية تحول بينها وبين ممارسة حقها الطبيعي في الدفاع عن الدولة واستعادة مؤسساتها.

لقد مضت سنوات طويلة منذ أن توقفت معارك الشرعية ضد المليشيات الحوثية المدعومة من إيران، التي لم تلتزم بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية ولم تتوقف عن تصعيدها العسكري واستهدافها للمناطق المحررة، فضلاً عن تهديدها لدول الجوار واستهدافها لطرق الملاحة والتجارة العالمية في البحر الأحمر، وهو ما يجعل خطرها يتجاوز حدود اليمن ليطال الأمن الإقليمي والدولي.
ومع ذلك، ما زالت الحكومة الشرعية عاجزة عن اتخاذ القرار الحاسم بإنهاء هذا الانقلاب واستعادة الدولة، ليس بسبب ضعف الإمكانات فحسب، بل بسبب القيود السياسية والضغوط الدولية التي كبلت قرارها العسكري، وفرضت عليها مسارات تفاوضية طويلة لم تؤدِّ حتى اليوم إلى إنهاء الانقلاب أو تخفيف معاناة الشعب اليمني.

إن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح اليوم: إلى متى سيظل المجتمع الدولي يمنح نفسه حق استخدام القوة لتحقيق مصالحه والدفاع عن أمنه، بينما يمنع هذا الحق عن الدولة اليمنية التي تسعى لاستعادة سيادتها وإنهاء انقلاب دموي مزق البلاد؟
وإلى متى ستظل قيادة الشرعية اليمنية خاضعة لهذه الضغوط، وملتزمة باتفاقات ومسارات سياسية لم تحقق سلاماً حقيقياً، بل ساهمت في إطالة أمد الأزمة وتعقيدها؟
إن استعادة الدولة اليمنية لم تعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة وطنية وأمنية، ليس لليمن وحده، بل لأمن المنطقة واستقرارها أيضاً. فبقاء الانقلاب الحوثي واستمرار نفوذ إيران في اليمن يعني بقاء مصدر دائم للتهديد والاضطراب في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم.
ولهذا، فإن اللحظة الراهنة قد تكون فرصة لإعادة النظر في كل المعادلات التي قيدت قرار الدولة اليمنية، ومنحها الحق الكامل في الدفاع عن نفسها، وإنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسساتها، وبناء دولة قادرة على حماية شعبها وأرضها ومصالحها الوطنية.