إيران تراهن على الوقت… وترامب يراهن على الانهيار
بعد مرور ما يقارب شهراً على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما رافقها من اعتداءات إيرانية سافرة على دول الخليج العربي والأردن، يبدو أن المشهد الإقليمي يتجه نحو مزيد من التعقيد والتشابك، مع تصاعد غير مسبوق في وتيرة العمليات العسكرية، وتوسّع رقعة الاستهداف لتشمل البنية التحتية والمنشآت الحيوية في عدة دول بالمنطقة.
لقد أسفرت هذه الحرب عن ضربات موجعة لإيران، تمثلت في استهداف قيادات عسكرية وأمنية وسياسية بارزة، إلى جانب تدمير أجزاء واسعة من قدراتها العسكرية ومنشآتها الحيوية، في حين لم تتوقف طهران عن الرد عبر استهداف مواقع إسرائيلية، وضرب منشآت مدنية واقتصادية في دول الخليج، فضلاً عن توسيع نطاق المواجهة عبر أذرعها في لبنان والعراق.
ومع دخول الحرب مرحلة أكثر حساسية، خاصة بعد استهداف منشآت الطاقة وإغلاق مضيق هرمز، ارتفعت كلفة الصراع بشكل كبير، ليس فقط على أطرافه المباشرة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، ما جعل المنطقة تقف على حافة انفجار شامل قد تتجاوز تداعياته الحدود الجغرافية والسياسية.
في خضم هذا التصعيد، برزت ملامح غموض واضحة في المشهد، حيث تداخلت إشارات التصعيد العسكري مع محاولات خجولة للانفتاح التفاوضي، لتطفو على السطح معركة من نوع آخر، هي “معركة الرهانات”.
من جهة، يراهن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على انهيار النظام الإيراني، معتمداً على استراتيجية مزدوجة تقوم على الضغط العسكري المكثف، مصحوباً بتهديدات مباشرة تستهدف قطاع الطاقة، إلى جانب طرح مسار تفاوضي مشروط يتضمن تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ووقف إعادة تخصيبه، والتخلي عن الأذرع الإقليمية، وفتح مضيق هرمز، وإنهاء برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.
هذه الرؤية الأمريكية تقوم على فرضية أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتراكمة ستدفع إيران إلى الانهيار الداخلي أو القبول بشروط قاسية تعيد تشكيل سلوكها الإقليمي.
في المقابل، تتبنى إيران استراتيجية مختلفة تماماً، تقوم على “رهان الوقت والنفس الطويل”، حيث تسعى إلى إطالة أمد الحرب واستنزاف خصومها، انطلاقاً من قناعة بأن عامل الزمن قد يعمل لصالحها، خاصة في ظل التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها الإدارة الأمريكية داخلياً.
وتعتمد طهران في هذا الرهان على أدوات منخفضة التكلفة نسبياً، مثل الطائرات المسيرة، والصواريخ، وتفعيل وكلائها في المنطقة، إضافة إلى استخدام ورقة مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، بهدف رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، وكسر إرادتهم السياسية.
كما تراهن إيران على أن واشنطن لن تكون قادرة على تحمل تبعات حرب طويلة، خصوصاً مع تأثيراتها على الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة، والضغوط المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية الداخلية.
وهكذا، يجد العالم نفسه أمام صراع مفتوح بين استراتيجيتين متناقضتين: الأولى تسعى إلى الحسم السريع عبر الضغط والانهيار، والثانية تراهن على الاستنزاف وكسب الوقت.
وفي ظل هذا التباين الحاد، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة، بين انفراجة تفاوضية غير مستقرة، أو انزلاق نحو مواجهة أوسع قد تعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها، وتفرض واقعاً جديداً تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط إلى العالم بأسره.