اليسار العربي… حين يصبح شعار “المقاومة” غطاءً للتبعية
في السياسة، قد يختلف الناس في المواقف والتقديرات، لكن ما يصعب تبريره هو التناقض الفج بين الشعارات والممارسة. وهذا تحديدًا ما يطبع مواقف قطاع من اليسار العربي اليوم، الذي وجد نفسه — بصورة لافتة ومحرجة — في خندق الدفاع عن سياسات إيران في المنطقة، رغم ما تمثله هذه السياسات من تدخلات مباشرة في الشؤون العربية واعتداءات على سيادة عدد من الدول، خصوصًا في الخليج.
هذا المشهد يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه حرج: كيف لتيارات طالما رفعت لواء السيادة الوطنية ومقاومة الهيمنة أن تتحول إلى مبرر أو مدافع عن نفوذ إقليمي غير عربي يتوسع على حساب الدول العربية؟
اليسار العربي شقّ طريق شرعيته التاريخية عبر خطاب صلب في مقاومة الإمبريالية ورفض كل أشكال التدخل الخارجي. غير أنه يقف اليوم أمام مفارقة لافتة؛ إذ يتعامل مع التدخل الإيراني بمنطق مغاير تمامًا. فما يُستنكر بحدة حين يصدر عن الغرب، يُلتمس له العذر أو يُخفَّف وقعه حين يأتي من طهران، وكأن السيادة العربية لم تعد مبدأً ثابتًا، بل معيارا انتقائيا تحكمه الاعتبارات الأيديولوجية أكثر مما تضبطه القيم.
الأكثر إثارة للدهشة أن هذا التبرير لا يأتي عادة بصراحة، بل يتخفى وراء شعار جاهز: “المقاومة” التي تحولت في بعض الخطابات من قيمة نضالية نبيلة إلى لافتة فضفاضة تُستخدم لتبرير ما لا يبرّر، وتغدو أحيانا غطاء يخفي تناقضات صارخة، بدل أن تكون بوصلة أخلاقية تهتدى بها.
“المقاومة” كلمة تحولت في الخطاب السياسي لبعض اليساريين إلى مظلة تبرر كل شيء، حتى عندما يتعلق الأمر بميليشيات عابرة للحدود، أو بتدخلات عسكرية وسياسية تمس سيادة واستقرار دول عربية بشكل مباشر.
بهذا المنطق، يصبح الاعتداء مقبولًا إذا حمل لافتة “مقاومة”، ويصبح التدخل الخارجي مشروعًا إذا جاء من طرف يعادي واشنطن أو إسرائيل. إنها معادلة سياسية مشوهة، تختزل قضايا معقدة في ثنائية أيديولوجية سطحية: من يعادي الغرب هو بالضرورة في صف الحق، مهما كانت سياساته وافعاله تجاه بلده وتجاه العرب.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه الشعارات. فالدول العربية التي تضررت من الصراعات الإقليمية لم تكن ساحات نظرية للصراع بين “محاور”، بل مجتمعات دفعت أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها واقتصادها. وفي هذا السياق، يبدو دفاع بعض اليساريين العرب عن سياسات إيران وكأنه تجاهل صارخ لمصالح الشعوب التي يدّعون الدفاع عنها.
المفارقة أن هذا الخطاب لا يضر فقط بالقضية العربية، بل يضرب أيضًا ما تبقى من مصداقية اليسار نفسه. فحين يتحول المبدأ إلى أداة انتقائية، يفقد معناه. وحين تصبح السيادة قيمة قابلة للتجزئة، فإن الخطاب السياسي كله يفقد توازنه.
النقد هنا ليس موجهًا لتيار فكري بعينه بقدر ما هو دعوة لمراجعة صريحة. فالقضية ليست صراعًا بين يمين ويسار، ولا بين “محور” وآخر، بل مسألة تتعلق بحد أدنى من الاتساق السياسي: هل السيادة العربية مبدأ ثابت، أم مجرد شعار يُستخدم عندما يخدم الأجندة الأيديولوجية؟
الجواب عن هذا السؤال لن يحدّد مصداقية اليسار العربي فحسب، بل سيكشف أيضا موقعه الحقيقي في مستقبل النقاش السياسي في المنطقة. فالشعوب العربية، بعد سنواتٍ طويلة من الصراعات والتدخلات، لم تعد مستعدة لتصديق الشعارات الجاهزة، ولا للاكتفاء بخطاباتٍ تفتقر إلى الاتساق؛ بل باتت تبحث عن مواقف واضحة، ومعايير ثابتة، وصدق سياسي لا يتبدل بتبدل الجهة أو الهوى.
وفي النهاية، لا يمكن لخطاب يدّعي الدفاع عن الكرامة الوطنية أن يستمر طويلًا وهو يغض الطرف عن نفوذ خارجي يتغلغل في قلب العالم العربي. فالتبعية، مهما تغيرت راياتها أو شعاراتها، تبقى تبعية.