حين يتكلم الوكيل .. تصمت السيادة .. الحوثي وخنجر طهران في خاصرة العرب
في كل مرة يطل فيها الإرهابي عبدالملك الحوثي بخطاب جديد، لا نسمع صوت اليمن، بل صدى طهران وإملاءات الملالي، وما يسمّون أنفسهم بـ"شيعة الشوارع". فلا نرى مشروع دولة، بل مشروع ميليشيا عابرة للحدود، تتغذى على الفوضى، وتعيش على أنقاض الأوطان، وتقتات على مآسي الشعوب.
ولم تكن ترهات الحوثي الأخيرة، بمناسبة ذكرى عملية عاصفة الحزم، استثناءً؛ بل جاءت تأكيدًا صارخًا على أن القضية لم تعد يمنية بقدر ما أصبحت حلقة ضمن سلسلة النفوذ الإيراني الممتد في الجسد العربي. فحديثه لم يكن تحليلًا سياسيًا، بل بيان تعبئة مشحون بالمغالطات، محشو بلغة التخوين، وموجّه لتبرير واقع مأزوم صنعته جماعته بيدها. وحين يصف دعم الأشقاء في التحالف العربي بـ"العدوان"، فإنه لا يقلب الحقائق فحسب، بل يتجاهل أصل الأزمة: انقلاب على الدولة، وتمزيق لمؤسساتها، وجرّ اليمن إلى نفق مظلم لا يزال شعبه يدفع ثمنه حتى اليوم.
وما يزيد المشهد قتامة، أن الخطاب لم يكتفِ بتزييف الواقع، بل ذهب أبعد من ذلك، حين تحوّل إلى منصة للدفاع عن سياسات إيران العدوانية في المنطقة؛ وهنا يسقط القناع تمامًا. فالدفاع عن استهداف منشآت مدنية وبنى تحتية في دول عربية لا يمكن تفسيره إلا باعتباره انحيازًا كاملاً لمشروع يضرب استقرار المنطقة، ويتناقض مع أبسط مبادئ الشريعة التي تحرّم العدوان على الأبرياء وتنهى عن الفساد في الأرض.
أما في البعد القومي، فيبدو المشهد أكثر وضوحًا وحدّة؛ إذ نحن أمام عصابة تخلّت عن انتمائها العربي، وارتهنت لمرجعية فارسية خارج الحدود، متخلية عن كل ما يمت بصلة لهوية اليمن وتاريخه. فخطاب "الوفاء لإيران" الذي أعلنه الحوثي ليس مجرد عبارة عابرة، بل اعتراف سياسي صريح بأن القرار لم يعد يمنيًا، وأن السلاح الذي يُرفع في صنعاء قد يُستخدم في معارك لا علاقة لليمن بها، بل لخدمة حسابات إقليمية أوسع.
وانطلاقًا من ذلك، جاءت التهديدات التي وجّهها قائد الميليشيا المدعو عبدالملك الحوثي للسعودية والامارات، لتكشف بوضوح طبيعة هذا المشروع؛ فهي ليست سوى محاولة مكشوفة للابتزاز، وتصعيد متعمد للتوتر، في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى التهدئة والعقلانية. فالمملكة، التي وقفت تاريخيًا إلى جانب اليمن، تجد نفسها اليوم أمام ميليشيا تهدد حدودها وتستهدف أمنها، بينما تدّعي في الوقت ذاته أنها في "مرحلة خفض تصعيد"، في مفارقة صارخة تكشف حجم التناقض والانفصام في خطابها.
وليس هذا فحسب، بل إن الأخطر من ذلك هو إصرار ميليشيا الحوثي على تصدير أزمتها إلى الخارج، عبر التدخل في شؤون الدول الأخرى، وإطلاق أحكام التخوين على مسؤولين وشخصيات، كما حدث في هجومه على شخصيات لبنانية. وهو سلوك لا يعكس فقط غياب المسؤولية السياسية، بل يؤكد أن المشروع الذي تحمله هذه الجماعة لا يعترف بسيادة الدول، ولا يحترم خصوصياتها، ولا يقيم وزنًا للأعراف ولا للقوانين.
وفي المحصلة، فإن المسألة لم تعد خلافًا سياسيًا عابرًا، بل صراع وجودي بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع دولة وطنية عربية ذات سيادة، ومشروع ميليشياوي طائفي مرتهن للخارج. وإذا لم يدرك الحوثي أن اليمن لا يمكن أن يكون منصة لحروب الآخرين، فإن خطبه ستظل مجرد بيانات صاخبة، تزيد الأزمة تعقيدًا، وتعمّق جراح وطن أنهكته المغامرات.
فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى؛ وبين خطاب يرفع شعارات "السيادة" وواقع يكرّس التبعية، تبقى الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: من يتخلى عن وطنه، فإن مصيره المحتوم أن ينتهي إلى مزبلة التاريخ، مصنّفًا في ذاكرة الشعوب كعميل وخائن لوطنه وشعبه وأمته.