الازدواج الوظيفي نزيف خفي في جسد الدولة اليمنية

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

تواجه الحكومة اليمنية الجديدة تحدياً حقيقياً يتمثل في واحدة من أخطر الظواهر التي استنزفت موارد الدولة خلال السنوات الماضية، وهي ظاهرة الازدواج الوظيفي، التي تحولت إلى عبء ثقيل على المالية العامة، وإلى خلل إداري عميق داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً في القطاعين العسكري والأمني.  

فخلال فترة الحرب، وما رافقها من تعدد التشكيلات العسكرية والأمنية، نشأت حالة غير مسبوقة من الفوضى في كشوفات المرتبات، وتشير الوقائع إلى أن نسبة كبيرة من الموظفين، وبالأخص في السلكين العسكري والأمني، يتقاضون أكثر من راتب في الوقت ذاته. بل إن بعض الحالات تجاوزت الازدواج إلى التعدد، حيث يحصل البعض على ثلاثة أو أربعة مرتبات من جهات مختلفة.  

وتبرز أمثلة واضحة على ذلك بوجود أفراد مسجلين في أكثر من قوة عسكرية في الوقت نفسه، إضافة إلى وجود أسمائهم ضمن قوائم موظفين مدنيين في بعض المؤسسات الحكومية. هذا الواقع لا يعكس فقط خللاً إدارياً، بل يكشف عن منظومة مالية وإدارية بحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة وإصلاح جذري.  

واستمرار هذا الوضع يعني، ببساطة، استمرار نزيف المال العام وحرمان آلاف الموظفين المستحقين من حقوقهم، فضلاً عن إضعاف هيبة الدولة ومؤسساتها، كما أنه يخلق حالة من عدم العدالة الوظيفية، ويكرّس ثقافة الفوضى في إدارة الموارد البشرية.  

ولا يمكن للحكومة الجديدة أن تنجح في أي إصلاح اقتصادي أو إداري ما لم تضع حداً حاسماً لهذه الظاهرة. فمعالجة الازدواج الوظيفي تتطلب قراراً سيادياً شجاعاً يقوم على مراجعة دقيقة لكشوفات المرتبات، وتوحيد قاعدة البيانات الوظيفية.  

والأهم من ذلك دمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن إطار مؤسسي واحد، يخضع بشكل مباشر لوزارتي الدفاع والداخلية، كما أن توحيد منظومة الرواتب يعد خطوة أساسية في هذا المسار، بما يضمن إنهاء الفوضى المالية وإرساء مبدأ العدالة بين منتسبي مؤسسات الدولة.  

فالدولة التي تسعى إلى بناء مؤسسات قوية لا يمكن أن تقبل باستمرار تعدد الرواتب لشخص واحد، في وقت يعاني فيه كثير من الموظفين من تأخر المرتبات أو انقطاعها.  

لذلك، فإن إنهاء الازدواج الوظيفي هو اختبار حقيقي لجدية الدولة في استعادة مؤسساتها وبناء نظام مالي وإداري قائم على الشفافية والانضباط. فإما أن تتخذ الحكومة خطوات حاسمة لوقف هذا النزيف، أو سيبقى الازدواج الوظيفي أحد أبرز العناوين التي تعكس هشاشة الإدارة العامة في البلاد.