حكومة الفنادق .. ووطن يُسلَّم للحوثي على دفعات

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ها أنذا أكتب اليوم لا بصفة معارض غاضب فحسب، بل بوجع يمني ينزف كلما رأى بلاده تُذبح على مهل، وتُسلَّم للخراب، فيما الذين حملوا صفة “الشرعية” يكتفون بدور المتفرج البارد على انهيار بلدهم، يديرون الهزيمة من خلف الجدران المكيفة، كأن الوطن مجرد بندٍ عابر في كشوف الرواتب، أو كأنه مجرد ملف سياسي ثقيل يريدون التخلص منه، لا واقعًا وصل إلى مرحلة الانهيار التام.

أكتب وأنا مثقل بغضب لا يشبه السياسة، لكنه يشبه حسرة الأب وهو يرى بيته يحترق أمامه ولا يملك قدرة على إنقاذ أطفاله. فالوطن الذي كان حلمًا لأجيال كاملة، تحوّل على أيدي الفاسدين والعاجزين إلى حقيبة دبلوماسية تُنقل بين العواصم والفنادق الفاخرة، وإلى صفقة مفتوحة للابتزاز وتقاسم النفوذ، بينما يُترك اليمنيون وحدهم في مواجهة كل الأزمات.

لقد صار اليمن، في نظر كثير من المسؤولين، ملفًا سياسيًا يُدار بالتصريحات الباردة، لا وطنًا يختنق شعبه بالجوع والخوف والانهيار. والحقيقة المؤلمة أن اليمن لم يسقط فقط بفعل انقلاب مليشيا الحوثي، بل سقط أيضًا يوم قررت السلطة الشرعية أن تهجر الميدان، وتترك المواطن وحيدًا بين مطرقة المليشيا وسندان الفقر، وبين رصاص الحرب وخذلان من يفترض أنهم حماة الدولة.

ومن هنا، لم يكن ما جرى خلال السنوات الماضية مجرد فراغ سياسي عابر، بل كان انهيارًا مخيفًا لمعنى الدولة نفسها. انسحبت الحكومة من الداخل، وحلت مليشيا الحوثي مكانها، كعصابة تلتهم المجتمع والاقتصاد والعقول.

فكل يوم غابت فيه الشرعية عن المواطن في الداخل، كان الحوثي يحضر أكثر؛ يفرض نفسه كأمر واقع، ويبني إمبراطورية جبايات طائفية خارج القانون، ينهب لقمة الفقير باسم “المجهود الحربي”، ويحوّل اليمنيين إلى رهائن داخل وطنهم.

لم يعد المواطن مجرد ضحية حرب، بل صار فريسة مفتوحة للابتزاز والقمع والخطف والتجويع، في مشهد يختلط فيه الطغيان بالمهانة اليومية.

والمفارقة التي تكسر القلب أن المواطن الذي انتظر من الشرعية أن تستعيد الدولة، وجد نفسه أمام سلطة عاجزة حتى عن إدارة مدينة صغيرة، لكنها بارعة بشكل مذهل في توزيع المناصب والامتيازات وتقاسم النفوذ.

عشرات الوزراء والوكلاء والسفراء يعيشون في الخارج بأمان ورفاهية، بينما الداخل اليمني يغرق في الفقر والظلام والبطالة وانقطاع المرتبات وانهيار الخدمات.

أطفال بلا تعليم، مرضى بلا دواء، ومدن كاملة تُدفع نحو الموت البطيء، فيما المسؤولون يتحدثون عن “الإنجازات” من خلف الشاشات.

لقد تحولت الشرعية، في نظر كثير من اليمنيين، من مشروع لاستعادة الوطن إلى عبء ثقيل يخنق ما تبقى من الوطن.

ولأن السياسة لا تعرف الفراغ، فقد تمددت مليشيا الحوثي داخل الخراب الذي تركته الدولة خلفها. سيطرت على الاقتصاد، وأعادت تشكيل المجتمع بمنطق السلالة والطائفة، وزرعت ثقافة الخوف في المدارس والمساجد والإعلام، حتى بات المواطن يعيش تحت عصابة كهنوتية تراقب أفكاره قبل أفعاله.

ولم تعد المليشيا مجرد جماعة انقلابية عابرة، بل مشروع قمع متكامل يستثمر بذكاء في فشل خصومه، ويتغذى على فسادهم وغيابهم أكثر مما يتغذى على قوته الذاتية.

أما الجيش والأمن، فقد تُركا لمستنقع التفكك والولاءات المتصارعة. الجندي الذي لا يجد راتبه منذ سنوات، كيف يُطلب منه أن يقاتل؟ وكيف يواجه الموت وهو يرى القيادات تتصارع على الغنائم والمناصب وكأن البلاد ميراث خاص؟

لقد أُنهكت المؤسستان العسكرية والأمنية بالفساد والمحسوبية والإقصاء، حتى فقدت الدولة هيبتها، وتحولت الجبهات أحيانًا إلى أسواق نفوذ ومراكز ابتزاز، بينما كانت مليشيا الحوثي تملأ الفراغ بالقمع والتهريب والتجويع.

فراغ الشرعية تسبب بكارثة أعظم؛ إذ لم يعد هذا الانهيار شأنًا يمنيًا داخليًا فقط، بل تحول إلى تهديد مباشر للأمن الإقليمي والدولي.

فالبحر الأحمر وخليج عدن، اللذان كانا شريانًا آمنًا للتجارة العالمية، تحولا اليوم إلى ساحة مفتوحة للفوضى والهجمات والابتزاز والقرصنة الحوثية. والعالم كله يدفع اليوم ثمن دولة تُركت لتنهار، وثمن سلطة غائبة أدمنت إدارة المعركة عن بُعد، بينما الأرض تُسلَّم للمليشيا على دفعات موجعة.

اليمن لا يحتاج اليوم إلى خطابات موسمية فارغة، ولا إلى بيانات شجب باردة تُكتب بلغة الخوف والمجاملات، بل يحتاج إلى صدمة وطنية حقيقية، وإلى مراجعة شجاعة تعترف بأن فساد الشرعية وابتعادها عن الناس كانا من أكبر الهدايا التي قُدمت للحوثي.

فلا يمكن هزيمة مشروع طائفي مسلح بدولة مترهلة، ولا يمكن استعادة وطن تمزقه الحرب بعقلية المحاصصة وتقاسم الغنائم والولاءات الضيقة.

ولهذا، فإن الحل يبدأ من الداخل، من عودة المسؤول إلى شعبه، ومن دفن زمن “الشرعية السياحية” التي تدير المعركة عبر الفنادق والشاشات والمؤتمرات الباردة.

يبدأ ببناء مؤسسات وطنية حقيقية لا مزارع نفوذ، وبإحياء معنى الدولة الذي سحقته المليشيات وصفقات الفساد، وبإعادة الاعتبار للمواطن الذي دفع وحده فاتورة الحرب والجوع والانهيار.

فالأوطان لا تُستعاد بالبيانات الرنانة، بل بالإرادة الصادقة، ولا تُحمى من الفنادق الفاخرة، بل برجال دولة يعيشون بين الناس، يسمعون أنينهم، ويشعرون بوجعهم، ويخوضون المعركة معهم لا من فوقهم.

اليمن اليوم لا ينقصه الرجال، ولا ينقصه التضحيات، بل ينقصه مشروع وطني نزيه يقطع يد الفساد، ويُنهي تجارة الحرب، ويستعيد معنى الجمهورية المختطفة.

كما ينقصه قادة يدركون أن الوطن ليس صفقة سياسية، ولا حسابًا مصرفيًا، ولا إقامة دائمة في الخارج، بل أرض وكرامة ومستقبل شعب بأكمله.

وما لم يحدث ذلك، فإن مليشيا الحوثي ستواصل التمدد فوق أنقاض الدولة، وسيبقى الوطن مفتوحًا على مزيد من الانهيار والنزيف، بينما تُملأ الحقائب في الخارج… وتُفرغ البلاد من أهلها وأحلامها وملامحها الأخيرة.