مأزق الموقف العربي في صراع الإقليم
لم يعد النظر إلى الصراع الدائر في المنطقة العربية باعتباره حدثًا بعيدًا عن محيطنا في الأمة العربية، في المغرب العربي وأفريقيا على وجه الخصوص، أو مجرد مواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى. بل لم يعد ممكنًا تحييد آثاره أو الاكتفاء بإعلان الحياد، فطبيعة الحروب في الشرق الأوسط اليوم لم تعد تقليدية، ولا تنحصر في جغرافيا محددة، بل تحولت إلى صراعات مركبة تعتمد على أدوات غير مباشرة، من خلال استخدام الأذرع والوكلاء، بما ينقل تداعياتها بسرعة شديدة إلى الدول المجاورة كاليمن ولبنان والعراق، بل وحتى دول الخليج، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا أو مشاركًا في هذه الحرب. ومن هنا يتلاشى منطق “ليست حربنا”، ليحل محله واقع جديد يفرض نفسه بوصفه تهديدًا إقليميًا شاملًا.
وانطلاقًا من ذلك، تتجلى هذه التحولات حين تتجاوز الحرب حدودها الجغرافية لتلامس المصالح الحيوية للدول العربية، لا سيما ما يتعلق بأمن الطاقة والملاحة البحرية. فاستهداف خطوط الإمداد، أو تهديد الممرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز ومضيق باب المندب، إذا ما توسعت رقعة الحرب وانخرطت عصابة الحوثي في تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، ينقل الصراع من كونه نزاعًا بين أطراف محددة إلى أزمة تمس الأمن الاقتصادي والسياسي للمنطقة بأسرها، وتُرغم الدول العربية على دفع كلفة صراع لا تملك قرار إشعاله ولا القدرة على إيقافه.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة التعويضات كحق قانوني مشروع للدول التي تضررت بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا أن هذا الحق يصطدم بواقع سياسي معقد. إذ لا تتحقق التعويضات فعليًا إلا في ظل اختلال واضح في ميزان القوة، أو وجود إرادة دولية ضاغطة، وهو ما يجعل هذا المسار أقرب إلى الطرح النظري منه إلى التطبيق العملي، خاصة مع تشابك الملف الإيراني ضمن توازنات دولية بالغة الحساسية.
وعلى صعيد إدارة الدول العربية لهذا النوع من الصراعات، يتوزع السلوك العام بين الحياد الحذر، والانخراط غير المباشر عبر التحالفات، ومحاولات التهدئة. غير أن هذه المقاربات تظل محكومة بردود الفعل أكثر من كونها نتاج رؤية استراتيجية عربية موحدة، وهو ما يفسر العجز المستمر عن التأثير في مسار الأحداث، رغم حجم التداعيات التي تتحملها هذه الدول.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل هذا التباين في المواقف عن طبيعة الانقسام العربي في تعريف التهديد. فبينما تنظر بعض الدول إلى إيران بوصفها مصدر تهديد وجودي، تثبته الوقائع في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ترى دول أخرى إمكانية احتوائها ضمن توازنات إقليمية، رغم أن مجريات الأحداث أثبتت فشل هذا النهج. ويعكس هذا الواقع غياب مشروع عربي موحد للأمن الإقليمي، الأمر الذي يؤدي إلى تشظي الموقف الجماعي وتحوله إلى مواقف قطرية متباينة، يحكمها منطق المصالح الخاصة بكل دولة.
ويزداد هذا التعقيد مع تداخل المصالح وضغوط التحالفات الدولية، حيث تجد الدول العربية نفسها مضطرة إلى موازنة علاقاتها مع القوى الكبرى، كـالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، في ظل صعود أدوار دولية منافسة، وهو ما يحد من قدرتها على تبني مواقف مستقلة، ويجعل قراراتها جزءًا من شبكة توازنات أوسع منها.
وعلى مستوى التأثيرات، لا تقتصر تداعيات هذا الصراع على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد. فأي تصعيد في الممرات البحرية الحيوية ينعكس فورًا على أسعار النفط وحركة التجارة العالمية، مما يضع الدول العربية في قلب الأزمة، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا في المعركة.
وفي الموازاة، يؤدي الإعلام دورًا مزدوجًا في تشكيل الوعي العام، إذ ينقسم بين خطاب يضخم الصراع ويقدمه كمعركة وجودية، وخطاب آخر يقلل من شأنه ويصوره كأزمة عابرة. وبين هذا وذاك، يتشكل رأي عام متأثر بالاستقطابات السياسية، وغير قادر على إنتاج موقف موحد يضغط باتجاه سياسات عربية أكثر تماسكًا.
ولا يمكن إغفال خطر تحول بعض الدول العربية إلى ساحات لصراع بالوكالة، وهو خطر لم يعد افتراضيًا، بل واقعًا ملموسًا في أكثر من ساحة، حيث تُستخدم هذه الدول كمسارح لتصفية الحسابات الإقليمية، مما يعمق حالة الهشاشة ويطيل أمد الصراع.
ورغم امتلاك الدول العربية أدوات قوة مهمة، أهمها الموقع الجغرافي، والموارد النفطية والغازية، والتأثير في أسواق المال والطاقة، إلا أن غياب التنسيق والاستراتيجية المشتركة يحول هذه الأدوات إلى إمكانات معطلة، ويحد من قدرتها على التأثير في معادلات الردع الإقليمي والدولي. وهكذا تبقى هذه المعادلات محكومة بصراع أطراف أخرى، بينما يجد العرب أنفسهم في موقع المتلقي لتداعياتها، والخاسر الأكبر من آثارها السلبية.
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول غياب الدور العربي الفاعل في إدارة أمن الممرات البحرية الحيوية كمضيق هرمز وباب المندب. فهذه المسألة تخضع لتوازنات دولية معقدة تحد من قدرة الدول العربية على فرض رؤية مستقلة، وتكشف في الوقت نفسه الحاجة الملحة إلى بناء منظومة أمنية إقليمية عربية قادرة على حماية المصالح المشتركة.
وتتراوح السيناريوهات المحتملة لمآلات هذا الصراع بين استمرار حالة الاستنزاف منخفض الحدة، أو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع، أو الوصول إلى تسوية مشروطة تعيد توزيع النفوذ. وفي جميع هذه الحالات، ستظل الدول العربية متأثرة بشكل مباشر، ما لم تنتقل من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، وهو تحول يتطلب جهدًا كبيرًا، لكنه ليس مستحيلًا.
وعليه، يظل تحويل هذا التهديد إلى فرصة ممكنًا، لكنه مشروط بإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي من منظور عربي جماعي، وتفعيل أدوات القوة المتاحة ضمن رؤية موحدة، وتقليل الاعتماد على الخارج في إدارة الأزمات. فالمشكلة في جوهرها لا تكمن في طبيعة الصراع بقدر ما تكمن في موقع العرب منه: بين هامش التأثر وحدود التأثير، وفي معادلة الأمن القومي العربي في زمن الشتات والتشرذم القطري.
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز