الراتب بين “الصمود” و”الصوم الإجباري” فاصبح نكتة ثقيلة في صنعاء؟

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

في بلدٍ أنهكته الحروب، وصار فيه الصبر عملةً يومية يتداولها الناس بدل النقود، يخرج عليك خطاب سلطة صنعاء – ممثلة بمليشيا الحوثيين – بمنطقٍ يصلح لمسرحية هزلية أكثر منه لإدارة دولة: “رواتبكم عند العدوان”. عبارةٌ تُقال ببرود، وكأنها تفسير علمي لانقطاع المطر، لا لقطع أرزاق ملايين البشر.

يا سادة، دعونا نفهم:
حين تفرضون الضرائب، أنتم سلطة.
حين ترفعون الجمارك، أنتم حكومة.
حين تجبون الزكاة والتحسين، أنتم دولة مكتملة الأركان.
حين تديرون الاتصالات، وتتحكمون بالنفط والغاز المنزلي، أنتم أصحاب السيادة والقرار.

لكن... حين يصل الحديث إلى راتب موظف أفنى عمره بين المكاتب والمؤسسات، تتحولون فجأة إلى كائنات مسلوبة الإرادة، وتصبحون مجرد “ناقل شكوى” إلى الخارج! أي منطق هذا الذي يقبل أن تكونوا دولة عند الجباية، و”ضحية” عند الاستحقاق؟

بين صبرنا وحججكم... ضاع الراتب

الموظف اليمني لم يطلب قصوراً ولا امتيازات، بل طلب شيئاً بسيطاً اسمه “راتب” – كلمة من أربعة أحرف، لكنها تبدو في قاموس صنعاء كأنها نظرية فيزيائية معقدة تحتاج إلى مؤتمر دولي لحلها.
كلما طالب بحقه، جاءه الرد الجاهز، المعلّب، المحفوظ عن ظهر قلب:
"اذهب إلى الرياض، راتبك هناك!"

حسناً، إذا كان الراتب في الرياض، فلماذا الضرائب في صنعاء؟
وإذا كانت المسؤولية في الخارج، فلماذا السلطة في الداخل؟
وإذا كنتم لا تملكون دفع الرواتب، فمن أين لكم كل هذه القدرة على الجباية والإدارة والتحكم؟

ازدواجية لا تحتاج إلى شرح... بل إلى ضمير

الخطاب المكرر الذي يُحمّل الخارج كل شيء، لم يعد يقنع حتى الأطفال الذين ينتظرون عشاءً لا يأتي. الموظف ليس محللاً سياسياً، ولا طرفاً في صراع إقليمي، ولا رقماً في مفاوضات دولية. الموظف ببساطة إنسان يريد أن يعيش، أن يطعم أطفاله، أن يدفع إيجار بيته، أن يشعر أنه يعمل مقابل شيء.

ومن يمتلك الأرض، يمتلك المسؤولية. هذه ليست نظرية سياسية، بل بديهية أخلاقية. السيادة ليست فقط أعلاماً تُرفع وخطباً تُلقى، بل هي قبل ذلك وبعده قدرة على حماية كرامة الإنسان الذي يعيش تحت هذه السيادة.

“الصمود” لا يُؤكل... والجوع لا يُخدّر بالشعارات

لقد تحولت كلمة “الصمود” إلى شماعة تُعلّق عليها كل الإخفاقات. لكن الحقيقة التي لا يمكن تزويرها:
المعدة الجائعة لا تفهم الخطب، ولا تهضم الشعارات.
والطفل الذي ينام بلا عشاء، لا تعنيه بيانات النصر ولا بيانات التنديد.

كفاكم استخفافاً بعقول الناس.
كفاكم تحويل معاناتهم إلى مادة دعائية.
وكفاكم إقناع أنفسكم قبل غيركم بأن الجوع يمكن أن يُبرر سياسياً.

الراتب ليس منّة... بل حق

الراتب ليس صدقة، ولا هبة، ولا مكافأة مزاجية.
الراتب حقٌ ثابت، لا يسقط بالتقادم، ولا يُلغى بالبيانات، ولا يُرحّل إلى عواصم أخرى بقرار شفهي.

ومن يدير الدولة – أو يقول إنه يديرها – لا يملك رفاهية التهرب من هذا الحق.

في النهاية، المسألة ليست معركة سياسية، بل اختبار أخلاقي بسيط:
هل أنتم سلطة مسؤولة... أم مجرد جهة تجيد جمع المال وتفشل في إعادته إلى أصحابه؟

الإجابة، للأسف، يعرفها كل موظف ينتظر راتبه منذ سنوات.