الاقتصاد اليمني بين استقرار الماضي وانهيار الحاضر: فجوة تتسع ومعاناة تتفاقم
في ظل التحديات المتفاقمة التي يواجهها الاقتصاد اليمني نتيجة سنوات من الحرب والانقسام السياسي والعسكري، يعود الحديث مجددًا بين أوساط اليمنيين عن الفوارق الكبيرة بين الوضع الحالي ومرحلة حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، التي اتسمت – بحسب كثير من المراقبين – بقدر من الاستقرار الاقتصادي وتماسك مؤسسات الدولة.
وخلال فترة حكم الرئيس صالح، اتجهت الدولة إلى بناء بنية تحتية واسعة، حيث تم تنفيذ مشاريع طرق رئيسية وربط مناطق ريفية كانت معزولة لعقود، الأمر الذي ساهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل انتقال السلع والخدمات.
كما شهد قطاع النفط والغاز تطورًا ملحوظًا، حيث شكّل المصدر الرئيسي للإيرادات، ما مكّن الدولة من تمويل مشاريع خدمية وتنموية في مختلف المحافظات.
وفي جانب الاستقرار النقدي، حافظ الريال اليمني آنذاك على توازن نسبي أمام العملات الأجنبية، مدعومًا باحتياطي نقدي وسياسات مالية أكثر انضباطًا مقارنة بالوضع الحالي، وهو ما انعكس إيجابًا على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية التي ظلت في متناول شريحة واسعة من المواطنين.
كما شهد قطاع التعليم توسعًا كبيرًا، مع زيادة عدد الجامعات والمدارس والمعاهد وانتشارها في مختلف المحافظات، إلى جانب التوسع في التعليم الأساسي والثانوي.
وفي القطاع الصحي، ارتفع عدد المستشفيات والمراكز الصحية، ما ساهم في تحسين مستوى الخدمات الطبية، رغم التحديات المرتبطة بالإمكانات المحدودة.
وامتد هذا التحسن ليشمل برامج الرعاية الاجتماعية، حيث تم توسيع نطاق المستفيدين من شبكات الضمان الاجتماعي، في محاولة للتخفيف من حدة الفقر وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
في المقابل، يواجه الاقتصاد اليمني اليوم أزمة مركبة نتيجة استمرار الصراع وانتشار الفساد في مؤسسات الدولة، حيث تراجعت الإيرادات العامة بشكل حاد، وتوقفت العديد من القطاعات الإنتاجية، خصوصًا النفط والغاز، كما تعرضت البنية التحتية لأضرار واسعة.
وأدى الانقسام المؤسسي إلى وجود سياسات مالية ونقدية متباينة، ما تسبب في تدهور قيمة العملة المحلية بشكل غير مسبوق، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، حيث شهدت الأسواق ارتفاعات كبيرة في أسعار المواد الغذائية والاحتياجات اليومية.
كما تفاقمت أزمة الرواتب، حيث يعاني موظفو الدولة من تأخر أو انقطاع رواتبهم ومستحقاتهم، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر.
إضافة إلى ذلك، تراجعت الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، في ظل ضعف الموارد وغياب الإدارة الموحدة.
ويرى مراقبون أن الفارق بين المرحلتين لا يقتصر على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل يمتد إلى طبيعة إدارة الدولة، حيث انتقل اليمن من نموذج دولة إلى واقع يعاني من تشتت القرار وغياب التنسيق، ما عمّق من حدة الأزمة.
وأكدوا أن استعادة الاستقرار الاقتصادي تتطلب جملة من الإصلاحات، في مقدمتها توحيد المؤسسات المالية، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها النفط والغاز، إلى جانب تحييد الاقتصاد عن الصراع السياسي، بما يسهم في وقف التدهور وتحسين الأوضاع المعيشية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى المقارنة بين الماضي والحاضر حاضرة في الوعي الشعبي، باعتبارها تعكس حجم التحول الذي شهده الاقتصاد اليمني، والتحديات الكبيرة التي تواجه أي جهود لإعادة بنائه واستعادة توازنه.