إحياءً ليوم 27 أبريل: ندوة في القاهرة تستعرض التجربة الديمقراطية في اليمن وتؤكد أن الانتخابات مخرج لأزمات البلاد
نظّم المركز اليمني المستقل للدراسات الاستراتيجية في العاصمة المصرية القاهرة ندوة فكرية سباسية بعنوان “27 إبريل 1993 محطة التحول الديمقراطي في اليمن”، بمشاركة أكاديميين وباحثين وشخصيات سياسية وإعلامية، لمناقشة واحدة من أبرز المحطات في التاريخ السياسي الحديث لليمن.
وشهدت الندوة تقديم خمس أوراق بحثية تناولت أبعاد التجربة الديمقراطية اليمنية منذ نشأتها وحتى تعثرها، حيث استعرض الدكتور عبد الرحمن ناجي في الورقة الأولى مسار التحولات الديمقراطية من مرحلة الثورة وصولاً إلى تحقيق الوحدة، مسلطاً الضوء على التراكمات السياسية التي مهّدت لأول تجربة تعددية في البلاد.
فيما ركّز الدكتور محمود اليمني في ورقته على التحولات السياسية والإعلامية التي رافقت مرحلة ما بعد الوحدة، مشيراً إلى الدور الذي لعبته التعددية الحزبية والانفتاح الإعلامي في تشكيل المشهد العام خلال تلك الفترة.
وتناولت الورقة الثالثة، التي قدمها الدكتور عبدالحفيظ النهاري، العلاقة بين الوحدة ومفاهيم الحداثة والتنمية، معتبراً أن مشروع الوحدة ارتبط برؤية تحديثية شاملة كان من أبرز ملامحها تبني الخيار الديمقراطي.
بدوره، ناقش الدكتور طه الهمداني في الورقة الرابعة دور الديمقراطية في تنشيط عمل منظمات المجتمع المدني، واعتبارها أحد الركائز الأساسية لتعزيز المشاركة المجتمعية وبناء دولة المؤسسات.
من جهته، حذّر رئيس المركز الدكتور علي الخولاني في ورقته من مخاطر تعطيل المسار الديمقراطي، معتبراً أن التراجع عن هذا النهج أضر بالتحولات المدنية التي كانت قد بدأت بالتشكل في البلاد.
وفي السياق ذاته، قدّم الصحفي المصري إبراهيم العشماوي شهادة شخصية تناول فيها تجربته في متابعة التحولات الديمقراطية في اليمن، مشيداً بجرأة التجربة الديمقراطية في اليمن وفرادتها في السياق العربي .
وشهدت الندوة مداخلات ونقاشات أكدت في مجملها على أهمية استعادة المسار الديمقراطي كخيار أساسي لضمان استقرار اليمن ووحدته، من خلال تعزيز المشاركة الشعبية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع كمرجعية وحيدة للعمل السياسي.
الديمقراطية وبناء الدولة
وكانت ابرز هذه المداخلات للدكتور ابو بكر القربي وزير الخارجية اليمني الأسبق حيث اكد في مداخلة صوتية خلال ندوة نظمها بمناسبة ذكرى 27 أبريل، أن هذا التاريخ يمثل محطة مفصلية في تاريخ التحول الديمقراطي في اليمن، ويومًا بارزًا للديمقراطية في البلاد.
وأوضح القربي أن 27 أبريل مثّل نقطة تحول في المشهد السياسي اليمني، حيث أسس لمرحلة التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، مشيرًا إلى أن هذه التجربة شكلت محاولة لترسيخ مبادئ المواطنة المتساوية والعدالة في الحكم.
وشدد على أن الديمقراطية تمثل السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار، وبناء أسس الشراكة في الحكم والثروة، مؤكداً أن الهدف الجوهري ينبغي أن يكون بناء الدولة على أسس مؤسسية، وليس بناء السلطة لذاتها.
وأضاف أن التجربة الديمقراطية في اليمن كانت إحدى ثمار الوحدة اليمنية، ووسيلة لحمايتها من محاولات الإقصاء، كما أسهمت في تقديم اليمن كنموذج في المنطقة لمسار الانتقال السياسي عبر صناديق الاقتراع بدلاً من اللجوء إلى القوة.
وأشار القربي إلى أن التجربة الديمقراطية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمسار الوحدة، وشكلت امتداداً طبيعياً لها في سياق التحولات السياسية التي شهدتها البلاد، لافتاً إلى أن هذه القيم تمثل قاعدة لبناء دولة مستقرة قائمة على المؤسسات.
ودعا القربي مختلف القوى اليمنية إلى التمسك بالقيم الديمقراطية رغم الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد منذ عام 2011، مؤكداً أن بناء “اليمن الجديد” مسؤولية جماعية تتطلب العمل المشترك لإخراج البلاد من دائرة الصراع والعنف.
واختتم بالتعبير عن أمله في أن تسهم الندوة في استخلاص الدروس من التجربة الديمقراطية اليمنية، داعياً إلى الاستفادة من هذه الخبرات في دعم مسارات الحل للأزمة الحالية، بما يضمن تحقيق الأمن والاستقرار لليمن وشعبه.
27 أبريل تجربة رائدة
من جانبه أكد وزير الداخلية الأردني الأسبق ، سمير الحباشنة أن ذكرى 27 أبريل 1993، يمثل محطة مفصلية في مسار التحول الديمقراطي في اليمن.
واستذكر الحباشنة في كلمة له انتخابات 27 أبريل 1993 كنموذج رائد للتجربة الديمقراطية التعددية، مشيراً إلى أنها كانت تمثل أملاً كبيراً ليس لليمن وحده، بل للعالم العربي بأكمله في تبني مسار سياسي قائم على المشاركة والتعددية.
وأكد أن اليمن بلد محوري وأصل من أصول الأمة العربية، وأن استقراره ووحدته ونهضته يشكل مكسباً استراتيجياً ونموذجاً إيجابياً لكافة الدول العربية.
ودعا الحباشنة القوى والنخب اليمنية بمختلف توجهاتها إلى الجلوس معاً في لقاء وطني شامل، والعمل على تغليب المصلحة الوطنية العليا على أي خلافات سياسية أو مناطقية.
وأعرب عن أسفه العميق لما آلت إليه الأوضاع في اليمن من حرب وانقسام، وما ترتب عليها من معاناة إنسانية واسعة شملت الفقر والمرض وتدهور الأوضاع المعيشية، إلى جانب تضرر الأراضي الزراعية نتيجة استمرار الصراع.
وأشاد في الوقت ذاته بالجهود المبذولة لعقد مؤتمر وطني جامع يمني، من شأنه طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من الأمل والاستقرار، وصولاً إلى ما وصفه بـ”اليمن السعيد”.
الحل في انتخابات حرة ونزيهة
كما قدّم الأكاديمي الجزائري الدكتور فريد بن يحيى رؤية حول سبل الخروج من الأزمة اليمنية، مستنداً إلى تجربة الجزائر في تجاوز أزماتها الداخلية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وأكد بن يحيى أن الحل يكمن في إجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف دولي وعربي، باعتبارها المدخل الأساسي لبناء مؤسسات دولة قوية قادرة على إدارة التعدد السياسي واستعادة الاستقرار.
وشدد على أهمية التوافق بين جميع الأطراف اليمنية على تشكيل جيش وطني موحد، بوصفه ضمانة أساسية للأمن والاستقرار ومنع الانقسام والتجاذبات الداخلية.
ودعا إلى تبني نهج حوار شامل لا يقصي أي طرف، معتبراً أن المرحلة تتطلب تكاتف مختلف التيارات السياسية والاجتماعية والقبلية من أجل صياغة رؤية وطنية جامعة.
وأعرب عن تأييده الكامل للحفاظ على وحدة اليمن، مشيراً إلى أن شكل الدولة، سواء كان مركزياً أو فيدرالياً، يبقى قابلاً للنقاش والتوافق، شريطة وجود سلطة مركزية موحدة وجيش وطني واحد.
كما أبدى استعداد الجزائر للإسهام في جهود الوساطة، مستفيدة من تجربتها الدبلوماسية في حل النزاعات، من أجل دعم مسار الاستقرار في اليمن.
وأكد أن اليمن يمتلك مقومات طبيعية واستراتيجية كبيرة تؤهله للنهوض مجدداً، في حال توافرت الإرادة الوطنية الصادقة لبناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار.
الديمقراطية مخرج لأزمات اليمن
الدكتور أديب الشاطري، أستاذ الإعلام بجامعتي حضرموت وعدن، قدم مداخلة حول أهمية الديمقراطية في اليمن، وذلك ضمن ندوة نظمتها المركز اليمني المستقل للدراسات الاستراتيجية تحت عنوان "27 أبريل محطة التحول الديمقراطي في اليمن".
واكد الدكتور الشاطري أن الديمقراطية وصناديق الاقتراع تمثل المخرج الوحيد والآمن لأزمات اليمن، حيث توفر طريقاً سلمياً للوصول إلى السلطة بعيداً عن لغة العنف والسلاح .
واشار إلى أن اليمن استطاع منذ تحقيق الوحدة عام 1990 تجاوز العديد من التحديات من خلال الاعتماد على العملية الديمقراطية، قبل أن تتعرض هذه المسيرة للتعثر نتيجة اجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء .
وشدد على ضرورة العودة إلى صناديق الاقتراع كحل واقعي، معتبراً أن الأطراف المختلفة، بما في ذلك القضية الجنوبية والحركة الحوثية، يمكنها الانخراط في العملية السياسية بسلام بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية والتهديد .
وعبر الدكتور الشاطري عن رفضه لأسلوب فرض السلطة عبر "فوهة الدبابات"، وطالب المجتمع الدولي بالتدخل لدعم استعادة المسار الديمقراطي السلمي في البلاد.
التمسك بالارث الديمقراطي
من جانبه أكد الدكتور محمد ماضي من قطاع غزة، خلال مشاركته في ندوة “27 أبريل 1993: محطة التحول الديمقراطي في اليمن”، أن هذا اليوم يمثل علامة فارقة في تاريخ اليمن الحديث، حيث شهدت البلاد في عام 1993 أول انتخابات برلمانية تعددية عقب تحقيق الوحدة اليمنية.
وأوضح ماضي أن الديمقراطية تمثل نهجاً أساسياً لبناء الدولة وتعزيز مشاركة الشعب في اختيار قيادته عبر صناديق الاقتراع، باعتبارها الوسيلة الأكثر استقراراً لإدارة الحكم.
واستذكر في حديثه الدور الذي لعبه الرئيس اليمني السابق الشهيد علي عبد الله صالح في تلك المرحلة، والتي شهدت إقرار التعددية الحزبية، وحرية تشكيل الأحزاب السياسية، وترسيخ الدستور، وفتح المجال أمام العمل السياسي المنظم.
وشدد ماضي على أهمية التمسك بالإرث الديمقراطي كخيار استراتيجي لتحقيق الاستقرار والأمن وسيادة القانون، مؤكداً أن “الميليشيات لا تبني أوطاناً”، وأن بناء الأوطان يتم عبر جهود الشعوب وإرادتها الحرة.
توصيات هامة
وخرجت الندوة بعدد من التوصيات التي عكست في مجملها أهمية استعادة المسار الديمقراطي في اليمن، وتعزيز مبادئ التداول السلمي للسلطة، وبناء دولة المؤسسات القائمة على سيادة القانون.
كما أكدت التوصيات على ضرورة دعم المؤسسات الدستورية، وتمكين المجتمع المدني، وصون الحريات العامة، إلى جانب تعزيز قيم الحوار والتعايش، وترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، بما يسهم في تحقيق الاستقرار والسلام واستعادة الدولة.
وتضمنت التوصيات التي تناولت الجوانب السياسية والمجتمعية والثقافية والإعلامية.
الجانب السياسي
أكد المشاركون أن الديمقراطية تمثل الخيار الوطني الأمثل لإدارة التنوع السياسي والاجتماعي، مع رفض جميع أشكال الوصول إلى السلطة بالقوة، داعين إلى إعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية وفي مقدمتها البرلمان والسلطات المحلية المنتخبة.
كما أوصوا بضرورة إعداد رؤية وطنية شاملة لاستعادة المسار الديمقراطي، وبناء مؤسسات دولة قائمة على سيادة القانون والفصل بين السلطات، إلى جانب تعزيز الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد.
وشددت التوصيات على أهمية دعم اللامركزية الإدارية وتمكين السلطات المحلية، وربط جهود السلام بإعادة بناء العملية الديمقراطية باعتبارها الضمانة الأساسية لاستدامة الاستقرار.
المجتمع المدني
دعا المشاركون إلى تمكين منظمات المجتمع المدني وتوسيع دورها في نشر الوعي الديمقراطي وتعزيز المشاركة المجتمعية، مع التأكيد على حماية الفضاء المدني وضمان استقلاليته بعيداً عن الاستقطاب السياسي.
كما شددوا على تعزيز الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني في قضايا السلام وبناء الدولة، ورفض العنف كوسيلة لحل الخلافات السياسية، واعتماد الحوار كخيار استراتيجي.
وأوصوا بإحياء الذاكرة الوطنية المرتبطة بالمسار الديمقراطي باعتبارها رصيداً مهماً في بناء اليمن الحديث.
الحريات العامة
أكدت التوصيات ضرورة ضمان حرية التعبير والصحافة باعتبارها ركناً أساسياً لأي نظام ديمقراطي، ووقف كافة أشكال التضييق على الإعلاميين، وتوفير بيئة آمنة للعمل الصحفي.
كما دعت إلى دعم مهنية واستقلالية الإعلام، وتعزيز دوره في مواجهة خطاب الكراهية والعنف، وترسيخ ثقافة الحوار المجتمعي.
المجال الاجتماعي والثقافي
شدد المشاركون على أهمية تعزيز وحدة النسيج الاجتماعي واللحمة الوطنية، وتجاوز آثار الصراعات والانقسامات، إلى جانب نشر ثقافة الحوار والتكافل وتعزيز القيم الوطنية الجامعة.
ودعت التوصيات إلى ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، ونبذ جميع أشكال التطرف والولاءات الضيقة، بما في ذلك السلالية والمذهبية والطائفية والجهوية والفئوية.
كما أكدت على أهمية الاستثمار في وعي الأجيال الجديدة بقيم الديمقراطية والمواطنة المتساوية، والحفاظ على الذاكرة الوطنية الديمقراطية، وإنصاف الرموز الوطنية والقوى السياسية التي أسهمت في بناء التجربة الديمقراطية.
وشددت أيضاً على ضرورة التزام الموضوعية في كتابة التاريخ السياسي بعيداً عن التسييس والتحيز، والحفاظ على المنجزات الوطنية التي تحققت خلال مراحل الدولة اليمنية الحديثة، وإبراز أدوار المناضلين والأحرار الذين أسهموا في مسار الثورة والجمهورية والوحدة والديمقراطية.
ودعت إلى إشراك المؤرخين والأكاديميين وعلماء الاجتماع في توثيق الذاكرة الوطنية بصورة علمية وموضوعية..