اليمن كجسر للطاقة والتكامل الخليجي .. ممرات بديلة نحو بحر العرب وتجاوز مأزق مضيق هرمز

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

 مقدمة: من إدارة المورد إلى بناء الدولة
تواجه اليمن في المرحلة الراهنة تحديات مركبة في استغلال ثرواته النفطية والغازية، إذ ظلت هذه الموارد لعقود طويلة عرضة للهدر وسوء الإدارة والتجاذبات المرتبطة بالصراع. في المقابل، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج عالمي متقدم في كيفية تحويل الموارد الطبيعية إلى رافعة تنموية مستدامة، حيث لم تكن تمتلك قبل قيام الاتحاد عام 1971 ثروات نفطية تغطي كامل إماراتها السبع، لكنها نجحت عبر رؤية استراتيجية عميقة في تحويل النفط من مجرد مورد ريعي إلى أداة لبناء الدولة وتعزيز استقرارها.  

ينطلق هذا المقال من محاولة استخلاص الدروس العملية من التجربة الإماراتية، وإعادة توظيفها في السياق اليمني، مع التركيز على فرصة استراتيجية نادرة تتمثل في إمكانية ربط شبكات الطاقة الكهربائية والوقود الأحفوري في اليمن بنظيراتها في دول مجلس التعاون الخليجي، بما يعيد تعريف موقع اليمن في معادلة الطاقة الإقليمية.  

أولاً: دروس من التجربة الإماراتية في إدارة الثروات النفطية
إن التجربة الإماراتية تقدم نموذجاً متكاملاً لإدارة الموارد، يقوم على التخطيط طويل الأمد، والانضباط المؤسسي، والربط بين قطاع الطاقة وبقية القطاعات الاقتصادية. في هذا السياق، جاء تأسيس جهاز أبوظبي للاستثمار كأحد أبرز الأدوات الاستراتيجية، حيث تم توجيه جزء كبير من الفوائض النفطية إلى استثمارات عالمية متنوعة تشمل الأصول العقارية والأسواق المالية والبنية التحتية، وهو ما أتاح للإمارات بناء مصدر دخل مستدام يتجاوز عمر النفط ذاته.  
ويمكن إسقاط هذا النموذج على الحالة اليمنية من خلال إنشاء صندوق سيادي وطني، يتم تخصيص نسبة محددة من الإيرادات النفطية له، واستثمارها خارجياً وفق معايير احترافية، على أن توجه عوائده لاحقاً إلى قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية، خصوصاً في المناطق الأقل نمواً.  
أما على مستوى توطين الصناعة، فقد اتجهت الإمارات إلى تجاوز نموذج تصدير النفط الخام عبر تطوير صناعات بتروكيماوية وتحويلية متقدمة، وإنشاء مناطق اقتصادية حرة مرتبطة بالموانئ، وهو ما أسهم في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على العوائد النفطية المباشرة. ويمكن لليمن الاستفادة من هذا المسار من خلال تطوير ميناء الضبة النفطي ومصفاة عدن كمراكز صناعية متكاملة، تستقطب استثمارات خليجية لإقامة صناعات قائمة على الغاز الطبيعي، بما يعزز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.  
وفي جانب الحوكمة، اعتمدت الإمارات نموذج الشركة الوطنية المتكاملة عبر شركة أدنوك، التي تخضع لمعايير شفافية دولية، وتصدر تقارير دورية، مع الفصل المؤسسي بين التنظيم والإنتاج والتسويق. وهو ما يمثل درساً محورياً لليمن، حيث يمكن إعادة هيكلة قطاع النفط والغاز عبر إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة، وشركة وطنية للإنتاج بالشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب آلية مالية تضمن استقرار أسعار المشتقات النفطية، بما يحمي الاقتصاد والمجتمع من تقلبات الأسواق العالمية.  

ثانياً: ربط شبكات الطاقة اليمنية بالخليج – الفرصة الاستراتيجية
تمتلك اليمن احتياطيات معتبرة من الغاز الطبيعي تُقدَّر بنحو 17 تريليون قدم مكعب، ناهيك عن الإمكانيات المحتملة لاحتياطيات النفط والغاز في خليج عدن وبحر العرب والبحر الأحمر من خلال استكشافات شركات سابقة مثل إيني وتوتال وBP وإكسون وشركة النمر وغيرها.  
في الوقت الذي تعاني فيه من عجز حاد في إنتاج الكهرباء، إذ لا تتجاوز ساعات التغطية في كثير من المناطق بضع ساعات يومياً، تمتلك دول الخليج العربي شبكات كهربائية مترابطة وفائضاً في الإنتاج، ما يفتح الباب أمام تكامل إقليمي واسع النطاق.  
في إطار التكامل في شبكات الغاز الطبيعي، تبرز فكرة مد خطوط أنابيب تربط الحقول اليمنية بالشبكة الخليجية عبر الأراضي السعودية، بما يسمح لليمن بتصدير الغاز ضمن عقود طويلة الأجل بأسعار مستقرة، والحصول في الوقت ذاته على جزء من احتياجاته بأسعار تفضيلية لتشغيل محطات الكهرباء، إضافة إلى إنهاء ظاهرة حرق الغاز المصاحب التي تمثل هدراً اقتصادياً وبيئياً كبيراً.  
أما في مجال الربط الكهربائي، فإن التجربة الخليجية القائمة تمثل نموذجاً ناجحاً للتكامل الإقليمي، حيث ترتبط شبكات الكهرباء بين السعودية والكويت وقطر والبحرين والإمارات وسلطنة عمان، ويظل اليمن خارج هذه المنظومة رغم أهميته الجغرافية. ويمكن تصور خطة تدريجية تبدأ بربط محافظة المهرة بشبكة ظفار العمانية أو من السعودية، كما صرحت وزارة الكهرباء اليمنية بوجود اتفاقات لربط المحافظات الشرقية بمنظومة كهرباء سعودية، مع إمكانية التوسع نحو محافظات يمنية أخرى، وصولاً إلى إنشاء مركز تحكم إقليمي للطاقة في عدن أو المكلا.  
ومن شأن ذلك أن يوفر كهرباء مستقرة للمدن الرئيسية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، ويخفض تكلفة الإنتاج بشكل كبير، ويفتح المجال أمام قيام صناعات ثقيلة ومتوسطة تعتمد على الطاقة المستقرة.  
وفي سياق البحث عن بدائل استراتيجية لتأمين تدفقات الطاقة بعيداً عن نقاط الاختناق الجيوسياسية، تبرز أهمية تطوير ممرات تصدير النفط والغاز عبر شرق اليمن نحو بحر العرب، باعتبارها خياراً واقعياً لتجاوز المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، الذي ظل لعقود أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، سواء من حيث التوترات العسكرية أو تهديدات إغلاقه في أوقات الأزمات.  
إن مد أنابيب من دول الخليج العربي، خاصة من المملكة العربية السعودية وربما لاحقاً من الكويت وقطر، عبر محافظتي حضرموت والمهرة وصولاً إلى موانئ على بحر العرب، يمثل تحولاً استراتيجياً في خريطة الطاقة الإقليمية، إذ يوفر مساراً آمناً ومستقراً لتصدير النفط والغاز بعيداً عن الخليج العربي، ويقلل من كلفة التأمين والشحن، كما يعزز من مكانة اليمن كدولة عبور محورية في منظومة الطاقة العالمية.  
هذا الخيار لا يقتصر على كونه مشروعاً اقتصادياً، بل يحمل أبعاداً أمنية وجيوسياسية عميقة، حيث يسهم في إعادة توزيع مراكز الثقل في تجارة الطاقة، ويمنح دول الخليج مرونة أكبر في إدارة صادراتها، في حين يفتح أمام اليمن فرصاً واسعة للاستثمار في البنية التحتية، وخلق عوائد مستدامة من رسوم العبور والخدمات اللوجستية، بما يعزز من مسار التعافي الاقتصادي وإعادة بناء الدولة.  

ثالثاً: الآلية التنفيذية – من النظرية إلى الواقع
إن تحويل هذه الرؤية إلى واقع يتطلب إطاراً مؤسسياً وتنفيذياً واضحاً، يبدأ بإنشاء مجلس أعلى للطاقة اليمني الخليجي، يتولى وضع خريطة طريق زمنية، ومعالجة التحديات الفنية والأمنية، وضمان التنسيق بين الأطراف المختلفة.  
كما يقتضي الأمر إعادة توجيه الدعم الخليجي نحو مشاريع استثمارية مستدامة، بدلاً من الاكتفاء بالمساعدات النقدية قصيرة الأجل، بحيث يتم تمويل مشاريع الربط الكهربائي والبنية التحتية للطاقة كمشاريع استراتيجية طويلة المدى.  
ولا يمكن إغفال أهمية إصلاح قطاع الكهرباء اليمني، من خلال إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة، وفصل أنشطة التوليد والنقل والتوزيع، وتبني سياسات تسعير تعكس التكلفة الحقيقية مع توفير دعم موجه للفئات الأكثر احتياجاً.  
وفي جانب التمويل، يبرز نموذج التمويل المختلط كخيار عملي، يجمع بين الصناديق السيادية الخليجية والمؤسسات التنموية الدولية واستثمارات القطاع الخاص، بما يوزع المخاطر ويعزز فرص النجاح.  

رابعاً: تحديات واقعية وحلولها المقترحة
تواجه هذه الرؤية مجموعة من التحديات الواقعية، في مقدمتها عدم الاستقرار الأمني في مناطق الإنتاج، وهو ما يمكن التعامل معه عبر تبني نماذج أمنية احترافية مستلهمة من التجربة الإماراتية في حماية المنشآت الحيوية.  
إلى جانب ذلك، يبرز تردد الشركات العالمية نتيجة المخاطر السياسية، الأمر الذي يتطلب تقديم ضمانات استثمارية مدعومة من صناديق إقليمية، مع تصميم نماذج تقاسم أرباح جاذبة في المراحل الأولى.  
كما أن ضعف البنية التحتية يستدعي البدء بمشاريع صغيرة قابلة للتوسع، بدلاً من القفز إلى مشاريع ضخمة عالية المخاطر، في حين يمثل نقص الكوادر الفنية تحدياً آخر يمكن معالجته عبر إنشاء مؤسسات تعليمية وتدريبية متخصصة بالشراكة مع مراكز إقليمية متقدمة.  

خاتمة: اليمن ليس عبئاً بل جسر طاقة مستقبلي
يمتلك اليمن مقومات استراتيجية فريدة، تشمل موقعاً جغرافياً يربط بين البحر الأحمر والبحر العربي، وموارد طبيعية واعدة، وإمكانات كبيرة في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة. وقد أثبتت التجربة الإماراتية أن جوهر النجاح لا يكمن في وفرة الموارد بقدر ما يرتبط بوضوح الرؤية وكفاءة التنفيذ.  
إن ربط اليمن بشبكات الطاقة الخليجية لا يمثل مجرد خيار اقتصادي، بل مشروعاً استراتيجياً يعيد صياغة التوازنات الإقليمية، حيث يوفر لليمن طاقة مستقرة منخفضة التكلفة، ويخلق فرصاً واسعة للتنمية والتشغيل. وفي الوقت ذاته، يعزز لدول الخليج أمنها الطاقي ويفتح أمامها سوقاً واعدة واستثماراً طويل الأمد في الاستقرار الإقليمي.  
إن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً بإمكانية تكرار التجربة الإماراتية، بل بمدى قدرة اليمن على استيعاب دروسها وتكييفها مع واقعه الخاص، فمسار التحول لا يبدأ فقط من مراكز القرار التقليدية، بل يمتد عبر شبكات الطاقة، وأنابيب الغاز، وآليات إدارة الموارد التي تضمن حقوق الأجيال القادمة.  

  
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز