نهب موارد الدولة والاستيلاء على مفاصل الشرعية .. حزب الإصلاح .. سوسة تنخر في جسد الشرعية
تتتابع في اليمن ملفات مثيرة للجدل مرتبطة بحزب الإصلاح (الإخوان المسلمين في اليمن)، لتعيد طرح تساؤلات واسعة حول طبيعة العلاقة بين الحرب والسلطة والمال، وكيف يمكن للظروف الاستثنائية أن تتحول إلى بيئة خصبة لاقتصاد غير رسمي يتغذى على الانقسام وضعف مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، تُقدَّم دلائل وشواهد صادمة تكشف كيف استغل حزب الإصلاح الحرب على مليشيا الحوثي، وكيف قام بتحويل هذه الحرب إلى مورد مالي ضخم قائم على النهب والسلب.
سنوات الحرب هذه أفرزت واقعاً معقداً، تداخلت فيه الوظيفة السياسية مع الاقتصادية والأمنية، ما مكّن حزب الإصلاح من بناء شبكات مصالح خاصة به داخل مؤسسات الدولة، في ظل ضعف الدولة وتآكل أدواتها التنظيمية.
وتؤكد الشواهد أن حزب الإصلاح لم يتعامل مع الموارد العامة باعتبارها ملكاً للدولة، بل ضمن رؤية تقوم على تعزيز نفوذه التنظيمي، في ظل ضعف مؤسسات الدولة المركزية وتراجع قدرتها على ضبط الإيرادات وتوحيد إدارتها.
وتُطرح محافظة مأرب كنموذج رئيسي في هذا الجدل، باعتبارها تضم أهم حقول النفط والغاز في البلاد. وتُثار تساؤلات حول إدارة العائدات المالية، وسط حديث عن بقاء جزء منها خارج القنوات الرسمية، تحت مسميات مرتبطة بالنفقات المحلية، في ظل غياب شفافية مالية كاملة حول حجم الإيرادات وآليات توزيعها.
وفي السياق نفسه، يرى مراقبون أن هذا الواقع يعكس حالة من تداخل السلطات بين البنية الرسمية للدولة والفاعلين السياسيين والعسكريين على الأرض، ما أدى إلى تشكّل مراكز قوة اقتصادية وإدارية ذات تأثير مباشر على القرار المحلي.
أما في محافظة تعز، فتشير تقارير ميدانية إلى وجود تشكيلات عسكرية تعمل بدرجات متفاوتة من الاستقلالية عن التسلسل القيادي الرسمي، ومن بينها اللواء 170 دفاع جوي، الذي تحول إلى وحدة ذات طابع شبه مستقل ضمن محور عسكري محلي.
ويرى مراقبون أن هذا الوضع ساهم في تعقيد المشهد الأمني وخلق حالة من الازدواج في إدارة الملف الأمني داخل المدينة.
وفي محافظة حجة، فجّر الصحفي مانع سليمان ملفاً يتضمن اتهامات تتعلق بوجود مخالفات مالية وإدارية خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2026، شملت تضخيم كشوفات مالية، وإيرادات لم تُورَّد إلى الدولة، إلى جانب مصادر دخل غير رسمية مرتبطة بحزب الإصلاح.
وبين هذه الملفات المتعددة، يظل الجدل قائماً حول طبيعة إدارة الموارد والنفوذ في البلاد، في ظل واقع سياسي وأمني شديد التعقيد، وتعدد مراكز القرار داخل الجغرافيا اليمنية.
هذه الشواهد لا تقدم الفساد الذي يُنسب إلى حزب الإصلاح بوصفه خللاً عارضاً أو تجاوزات فردية، بل كمنظومة مُدارة بعقلية تنظيمية دقيقة، تتداخل فيها أدوات مالية وإدارية متعددة. فآليات مثل تضخيم كشوف الرواتب، وإدراج أسماء وهمية، وخصم مخصصات الإعاشة، إلى جانب احتجاز الإيرادات بعيداً عن القنوات الرسمية، تُصوَّر هنا كحلقة مترابطة داخل بنية واحدة تُعيد توجيه المال العام ليصبح مصدراً مستداماً للتمويل والنفوذ.
ومن هذا المنظور، يُطرح التحذير من أن استمرار هذا النمط دون مساءلة أو معالجة مؤسسية قد يؤدي إلى تعميق الاختلالات البنيوية في الدولة، بحيث تتآكل قدرتها على ضبط مواردها وإدارة وظائفها الأساسية، ما ينعكس على الاستقرار العام ويزيد من تعقيد عملية التعافي مستقبلاً.
وفي المحصلة، تُختزل الإشكالية في فكرة أوسع مفادها أن ضعف مؤسسات الدولة من الداخل قد يكون أكثر خطورة من أي تهديد خارجي، إذ إن فقدان القدرة على بناء نظام إداري ومالي متماسك يجعل عملية الإصلاح لاحقاً أكثر كلفة وتعقيداً، ويضع مستقبل الدولة أمام تحديات طويلة الأمد تتجاوز الحلول الجزئية.
وفي الأخير، فإن إهمال الدولة والمجتمع وعدم مبالاتهما بوضع حد لهذه الظاهرة سيجعل الجميع يعضّون أصابع الندم حين يكتشفون حجم الدمار الذي قد يلحق بالبلاد والعباد، وصعوبة معالجته وإصلاحه.