البحر الأحمر: ما وراء الصراع.. تهديدات مستمرة وحلول دبلوماسية

البحر الأحمر: ما وراء الصراع.. تهديدات مستمرة وحلول دبلوماسية
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

تتجاوز أزمة البحر الأحمر مجرد صراع إقليمي، لتتحول إلى قضية أمن بحري دولي معقدة، حيث يهدد الحوثيون، بفضل سيطرتهم على أجزاء واسعة من اليمن وقدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة، حرية الملاحة العالمية، حتى في حال توقفت الحرب الإقليمية. هذا التحول الجذري يعكس عسكرة متزايدة للممرات الملاحية الحيوية، مما يدفع التجارة العالمية نحو مسارات أطول وأكثر تكلفة، ويرفع أقساط التأمين، ويكثف الدوريات العسكرية.

يشير تحليل استخباراتي أمريكي إلى أن أي اتفاق مع إيران قد لا يحل المشكلة بالكامل، إذا لم يتضمن مساراً منفصلاً للتعامل مع الحوثيين، الذين يُنظر إليهم كعامل مؤثر لا يمكن السيطرة عليه بسهولة من قبل طهران وحدها. فبينما ينصب التركيز على مضيق هرمز، يظل مضيق باب المندب، الذي يؤدي إلى البحر الأحمر وقناة السويس، هدفاً استراتيجياً للحوثيين. وحتى السعودية، التي تعتمد على ميناء ينبع لتصدير النفط، تجد نفسها ضمن نطاق هجمات الحوثيين المحتملة، مما دفع البنتاغون إلى اتخاذ إجراءات احترازية مثل تحويل مسار حاملة الطائرات "جورج بوش".

يُظهر الحوثيون، الذين وصفوا هجماتهم على إسرائيل بأنها "مرحلة أولى"، قدرة على إدارة خيارات التصعيد بشكل مدروس، وليس مجرد رد فعل على الأحداث الجارية. ويرى التحليل الأمريكي أن الخطأ يكمن في اعتبار الحوثيين مجرد "صنبور" يمكن لطهران فتحه أو إغلاقه، بينما تشير الأدلة إلى أن لديهم أجندة خاصة بهم، مدفوعة بمزيج من القومية اليمنية، وإحياء المذهب الزيدي-الهادوي، والأيديولوجية المناهضة للإمبريالية. هذا التمييز، حسب التحليل، حاسم لفهم ما إذا كان باب المندب سيُغلق، وما قد يترتب على ذلك من صدمة اقتصادية كارثية.

ورغم الدعم الإيراني، فإن الحوثيين ليسوا مجرد "وكلاء" لطهران، بل لديهم دوافعهم المستقلة. فالتدخل الإيراني كان محدوداً في البداية، وبدأ الانخراط الجاد لفيلق القدس في عام 2017 تقريباً، بعد أن أثبت الحوثيون قدرتهم على ضرب السعودية. ومع ذلك، فإن الدعم الإيراني، الذي يشمل صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وتدريب، لا يعني بالضرورة سيطرة كاملة، كما يتضح من بعض التقارير التي تشير إلى رفض الحوثيين ضغوطاً إيرانية لمهاجمة سفن الشحن في البحر الأحمر، واختيارهم بدلاً من ذلك مهاجمة إسرائيل كهدف أقل خطورة. كما أن هناك مؤشرات على أن الحرس الثوري الإيراني قد يثبط أحياناً تصعيد الحوثيين، خوفاً من أن تحتاج إليهم طهران في حال انهيار النظام الإيراني.

تتسم جماعة الحوثي بطابع تنظيمي مرتبط بشخص عبد الملك الحوثي، حيث يرفع جهاز "الأمن الوقائي" تقاريره مباشرة إليه. وعلى الرغم من أن الدعم الإيراني له أهمية استراتيجية، إلا أن التحليل يؤكد أن القيادة الفعلية للحوثيين مستقلة، وهذا يظهر في سلوكهم الذي قد لا يتماشى دائماً مع رغبات طهران.

إن ضبط النفس الحالي للحوثيين يعود لعدة عوامل، منها الخوف من تدمير بنيتهم التحتية، والهدنة الهشة مع السعودية التي تعتمد على موانئ البحر الأحمر، والرأي العام اليمني الذي قد لا يتقبل الهجوم لصالح إيران. لكن هذا الضبط قد ينهار إذا تصاعدت العمليات البرية الأمريكية ضد إيران، أو إذا تم استهداف البنية التحتية للحوثيين بشكل مباشر، أو إذا شعرت طهران بتهديد وجودي يستدعي الضغط عليهم للانضمام للصراع.

تتطلب معالجة أزمة البحر الأحمر نهجاً شاملاً يتجاوز الحلول العسكرية. يجب تعزيز الحوار الإقليمي، وتطوير آليات لخفض التصعيد بين القوى الخارجية، وحماية الشحن التجاري كمنفعة عامة عالمية، وفصل الأمن التجاري عن التنافس الجيوسياسي. كما يبقى الاستثمار في استقرار اليمن أمراً ضرورياً، لأن الصراع الداخلي المستمر يغذي انعدام الأمن البحري. إن أزمة البحر الأحمر تمثل نقطة تحول، حيث تحولت الممرات التجارية إلى ساحات صراع جيوسياسي، ويتوقف استقرار الأنظمة البحرية العالمية على قدرة الدول على تجاوز الاستجابات العسكرية قصيرة الأجل نحو أطر أمنية تعاونية طويلة الأجل.