عدن والانفلات الأمني .. انتصار الإجرام أم سقوط القانون؟
يظل الملف الأمني ملفًا شائكًا يحاصر اليمن من أقصاه إلى أدناه، في ظل تنامي انتشار جرائم القتل والاختطافات، حتى بات يُخيّل إلينا أن المجرمين أصبحوا أكبر من القانون، وأن الخوف وانعدام الأمان قد استوطنا الشارع اليمني.
وازاء ذلك، تقف السلطات الأمنية اليوم على محكّ حقيقي لمواجهة هذه المخاطر، والحد منها، والعمل على استئصالها قبل أن تتحول إلى واقع دائم يهدد ما تبقى من استقرار.
وفي الفترة الأخيرة، توغّل الانفلات الأمني، وانتشرت جرائم عديدة في المدن المحررة التي لم تتحرر من الخوف والرعب، وتُرتكب فيها هذه الجرائم في وضح النهار دونما رادع، وكأننا أصبحنا نعيش في بلد يسير بمنطق الغاب، يأكل فيه القوي الضعيف. ونتيجة لذلك، تآكلت الثقة في الأجهزة الأمنية التي بدت عاجزة عن مواجهة المجرمين والقتلة، وتآكلت معها أيضًا صورة الدولة.
ففي تعز مثلها في عدن ومأرب وغيرها من المدن، لا شيء سوى خوف يتسلل إلى الشوارع، يطرق الأبواب بصمت، ويستقر في صدور الناس، حتى بات جزءًا من يومياتهم الثقيلة.
ففي عدن، حدثت مؤخرًا جريمة اختطاف وقتل المهندس وسام قائد، وهي جريمة لم تعد استثناءً في ظل هذا الانفلات الأمني المرعب. جريمة لا يمكن وضعها في خانة "الوقائع الجنائية" المعتادة، لكنها كانت صفعة قاسية في وجه كل حديث عن الأمن، وكل وعود الاستقرار، وكل خطابات الطمأنة التي تُقال من خلف المكاتب المكيفة. كان رجلًا أعزل، لا يحمل سوى مشروع حياة، يُختطف من أمام منزله، ويُعذّب بوحشية، ثم يُقتل بدم بارد، وكأن حياته لا تساوي شيئًا في ميزان هذه الفوضى.
أيُّ وحشية تلك؟ وأي رسالة يمكن أن تصل إلى المجتمع بعد جريمة كهذه؟ المؤكد أن أحدًا لم يعد في مأمن.
فحين يُقتل شخص بهذه الطريقة، فإن القضية لا تعود قضية فرد، لكنها تتحول إلى مرآة تعكس حجم الانفلات الذي تعيشه المدينة. إنها تقول للناس إن القانون غائب، وإن يد الدولة قصيرة، وإن الجريمة لم تعد تخشى العقاب.
غموض وصمت مخزٍ يكتنفان القضية، ويتمدد هذا الغموض بعد كل حادثة دون أن يُملأ بإجابات حقيقية أو محاسبة واضحة.
فعدن، تلك المدينة الساحرة المسالمة، تتحول إلى مساحة خوف تمشي على الأرض، ومجرمين يتجولون دون حساب. لقد سئمت عدن البيانات المُفرغة من معانيها، والإدانات الجوفاء، والخطابات المزركشة. إنها تريد دولة حقيقية، دولة تحمي مواطنيها و لا تكتفي برثائهم، دولة تجعل من العدالة فعلًا لا شعارًا، ومن الأمن واقعًا لا أمنية.
ومما لا سك فيه، فإن استمرار هذا الانفلات يقوّض فكرة الدولة نفسها، لأن الدولة التي لا تستطيع حماية إنسان في منزله، كيف يمكنها أن تحمي وطنًا بأكمله؟
قضية وسام قائد يجب ألا تمر مرورا عابرا ، لأن ذلك يعني القبول بما حدث، والقبول به يعني تكراره. والمدينة التي تتصالح مع الخوف تتحول تدريجيًا إلى سجن مفتوح، بلا جدران، لكنه ممتلئ بالضحايا الأبرياء.
وبلا استثناء، المدن اليمنية تريد دولة حقيقية، لا دولة شعارات ووعود لا تسمن ولا تغني من جوع. تريد أن تستعيد صوت القانون فوق الجميع، لا أن تواصل الانزلاق في صمت نحو هاوية لا قاع لها. لم يعد الوضع يحتمل أي تأجيل أو تلكؤ.
فهل ينتصر القانون وتفرض الدولة سطوتها وتضرب بيد من حديد على كل مجرم وقاتل؟ أم أن الانفلات الأمني سيواصل تغوّله حتى يُسقط ما تبقّى من سلطة القانون؟