من رافق الرئيس الأميركي إلى بكين؟ قراءة في تركيبة الوفد والمفاوضات مع الصين

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

حين يريد الرئيس الأميركي إرسال رسالة استراتيجية معقدة دون خطاب مباشر، فإن تركيبة الوفد المرافق له تصبح في كثير من الأحيان جزءًا من الرسالة ذاتها، بل قد تكون أكثر وضوحًا من البيانات الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض. فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تُقرأ فقط عبر المؤتمرات الصحفية والاتفاقيات المعلنة، وإنما أيضًا عبر الأشخاص الذين يصعدون إلى الطائرة الرئاسية، والحقائب التي يحملونها، والملفات التي تُعطى الأولوية داخل غرف التفاوض المغلقة.
في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تحديدًا، تصبح هذه المسألة أكثر تعقيدًا، لأن الصراع بين الطرفين لم يعد مجرد خلاف تجاري تقليدي، بل تحول خلال العقد الأخير إلى تنافس شامل على إعادة تشكيل النظام الدولي، يمتد من التجارة العالمية إلى التكنولوجيا المتقدمة، ومن النفوذ العسكري في آسيا إلى السيطرة غير المباشرة على الممرات البحرية العالمية التي تمر عبرها الطاقة والتجارة الدولية.
التاريخ الأميركي يقدم نموذجًا واضحًا في هذا السياق. عندما زار الرئيس ريتشارد نيكسون الصين عام 1972، لم يكن وجود هنري كيسنجر مجرد تفصيل بروتوكولي، بل كان إعلانًا استراتيجيًا عن إعادة هندسة ميزان القوى خلال الحرب الباردة لمواجهة الاتحاد السوفيتي. تلك الزيارة لم تغيّر فقط العلاقات الأميركية الصينية، بل أعادت تشكيل جزء مهم من النظام الدولي لعقود طويلة.
أما اليوم، فإن طبيعة الوفد الأميركي إلى بكين تُقرأ بصورة مختلفة. إذا ضم الوفد وزير الخزانة أو كبار مسؤولي التجارة، فإن الرسالة تشير إلى أن ملف الرسوم الجمركية، والعجز التجاري، وسلاسل الإمداد، والاستثمارات المتبادلة ما زال في صلب التفاوض. هذا الملف تصاعد بقوة منذ الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب ضد الصين، واستمرت بعض أدواتها لاحقًا في عهد جو بايدن وإن اختلفت اللغة السياسية.
وإذا حضر مسؤولون متخصصون في التكنولوجيا أو مستشارون مرتبطون بشركات أشباه الموصلات، فإن الرسالة تصبح أكثر خطورة، لأن جوهر الصراع الحالي يتمحور حول من سيقود الاقتصاد العالمي القادم. القيود الأميركية على صادرات الرقائق الإلكترونية المتقدمة، والقيود المفروضة على شركة هواوي، والجدل حول تطبيق تيك توك، كلها تكشف أن المعركة الحقيقية لم تعد مرتبطة بالبضائع فقط، بل بالسيطرة على بنية الاقتصاد الرقمي العالمي.
أما إذا ضم الوفد شخصيات عسكرية أو أمنية رفيعة، فإن الرسائل تصبح أكثر حساسية تجاه ملفات مثل تايوان، وبحر الصين الجنوبي، والتحالفات العسكرية الأميركية الجديدة. وهنا يجب التمييز بوضوح بين التحالف الأمني الثلاثي بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، وبين التحالف الرباعي الذي يضم الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا. بكين تنظر إلى هذه الترتيبات باعتبارها جزءًا من استراتيجية احتواء طويلة الأمد.
لكن ما يغيب عن كثير من التحليلات هو أن نتائج هذه المفاوضات لا تتوقف عند شرق آسيا، بل تمتد بصورة مباشرة إلى الممرات البحرية العالمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز في الخليج العربي وباب المندب في البحر الأحمر.
يمثل مضيق هرمز شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط القادمة من دول الخليج العربي نحو الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين التي تعد أحد أكبر مستوردي النفط من المنطقة. لكن السيناريو الأخطر يتمثل في احتمال تعطل أو توقف صادرات النفط والغاز عبر المضيق نتيجة تصعيد عسكري واسع أو إغلاق متعمد من قبل إيران أو نتيجة مواجهات بحرية إقليمية.
في حال توقف تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، فإن الأسواق العالمية ستواجه واحدة من أعنف الصدمات منذ أزمة النفط عام 1973، لأن دولًا مثل السعودية، والإمارات، والكويت، والعراق، وقطر تعتمد بدرجات متفاوتة على هذا الممر لتصدير الجزء الأكبر من إنتاجها النفطي والغازي. كما أن قطر، التي تعد من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال عالميًا، ستواجه تحديات كبيرة في إيصال صادراتها إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
الصين ستكون من أكثر الدول تأثرًا بأي إغلاق طويل لمضيق هرمز، لأنها تعتمد بشكل متزايد على واردات الطاقة القادمة من الخليج العربي. كما أن اليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، وعددًا من الاقتصادات الآسيوية الكبرى ستدخل في سباق مكلف لتأمين بدائل للطاقة، ما قد يرفع أسعار النفط والغاز عالميًا إلى مستويات قياسية، ويؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة تضرب الاقتصادات الغربية والآسيوية معًا.
الولايات المتحدة، رغم ارتفاع إنتاجها المحلي من النفط والغاز خلال السنوات الأخيرة، لن تكون بعيدة عن التأثير، لأن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا سينعكس مباشرة على الاقتصاد الأميركي وعلى الأسواق المالية الدولية، كما سيضع واشنطن أمام ضغوط متزايدة لحماية الملاحة البحرية في الخليج العربي.
وفي حال تعطل مضيق هرمز، فإن أهمية باب المندب ستزداد بصورة أكبر، لأن القوى الدولية ستسعى إلى حماية خطوط الملاحة البديلة وضمان استمرار تدفق التجارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس. لكن هذا المسار نفسه يواجه تهديدات مستمرة نتيجة التوترات الأمنية في اليمن والبحر الأحمر، ما يعني أن العالم قد يجد نفسه أمام أزمة مزدوجة تبدأ من هرمز وتمتد إلى باب المندب.
هذا الواقع يمنح اليمن موقعًا جيواستراتيجيًا أكثر أهمية في الحسابات الدولية المقبلة، لأن استقرار باب المندب لم يعد قضية يمنية أو إقليمية فقط، بل أصبح جزءًا مباشرًا من أمن التجارة والطاقة العالمي.
كما أن أي تفاهم أميركي صيني كبير قد يخفف من حدة الاستقطاب الدولي في بعض المناطق، بينما قد يؤدي فشل المفاوضات إلى زيادة سباق النفوذ البحري من المحيط الهادئ حتى البحر الأحمر والخليج العربي. هنا يصبح العالم أمام ترابط غير مسبوق بين تايوان، وبحر الصين الجنوبي، وهرمز، وباب المندب، وقناة السويس ضمن سلسلة جيوسياسية واحدة.
الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، وأزمات الطاقة العالمية، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد الدولية، كلها تجعل هذه المفاوضات أكبر بكثير من مجرد زيارة سياسية تقليدية. واشنطن تحاول إدارة صعود الصين دون حرب مباشرة، بينما تسعى بكين إلى منع الولايات المتحدة من حصارها استراتيجيًا بحريًا وتقنيًا واقتصاديًا.
في هذا السياق، لم تعد الطائرة الرئاسية الأميركية تحمل مجرد وفد رسمي، بل تحمل خريطة أولويات واشنطن في العالم كله. وعندما يجلس في الطائرة مسؤول التجارة، وخبير التكنولوجيا، ومستشار الأمن القومي في الرحلة ذاتها، فإن الرسالة الأوضح أن الولايات المتحدة باتت ترى الصراع مع الصين باعتباره صراعًا شاملًا يمتد من الرقائق الإلكترونية إلى مضيق هرمز في الخليج العربي، ومن مضيق تايوان إلى باب المندب في البحر الأحمر.
في السياسة الدولية الكبرى، لم يعد السؤال فقط: ماذا قال الرئيس في بكين؟
بل أيضًا: من كان معه، وما هي البحار التي قد تتغير خرائطها بعد انتهاء الاجتماع؟

أكاديمي ومحلل سياسي يمني - جامعة تعز