صندوق النشء والشباب صندوق "رعاية النشء" أم "صراف آلي" للنافذين؟
في الوقت الذي تبحث فيه الأندية الرياضية في مختلف المحافظات عن موازنات تشغيلية زهيدة للاستمرار في فتح أبوابها، وفي الوقت الذي يخوض فيه لاعبو المنتخبات الوطنية معسكراتهم التدريبية في ظروف أقرب إلى "المجاعة الرياضية"، تتدفق مليارات الريالات سنوياً صوب الحسابات البنكية لـ صندوق رعاية النشء والشباب التابع لوزارة الشباب والرياضة.
هذا الصندوق، الذي أُنشئ بقانون خاص ليكون شريان الحياة للرياضة والبنية التحتية، تحول بفعل فاعل إلى "ثقب أسود" يلتهم أموال الجيل الصاعد.
هنا لا نبحث عن شحة الموارد، بل في كيفية هندسة الفساد الإداري والمالي لتحويل أموال الشباب إلى امتيازات شخصية، وسفريات، ونفقات تشغيلية لعقود من الزمن دون حسيب أو رقيب.
أولاً: تشريح الإيرادات.. أين تذهب أموال "التبغ، الإسمنت، والقات"؟
تُشير التقديرات القانونية إلى أن صندوق رعاية النشء والشباب يستقبل سنوياً مليارات الريالات مستقطعة بقوة القانون من عدة جهات
- النسبة المقررة من مبيعات السجائر المحلية والمستوردة.
- الرسوم المفروضة على إنتاج مصانع الإسمنت.
- النسبة المحددة من فواتير الاتصالات.
- الاستقطاعات المفروضة على أسواق القات في المحافظات.
أين يكمن الفساد ؟
التهرب والصفقات التحتية:
- تتقاعس الإدارة المالية للصندوق والوزارة عمداً عن ملاحقة شركات كبرى ومصانع تتهرب من توريد النسب القانونية، أو يتم "جدولتها وتسويتها" عبر تفاهمات غير رسمية تحرم الصندوق من نصف إيراداته الحقيقية.
-الربط الشبكي المفقود:
ترفض الوزارة حتى اليوم إدخال نظام ربط شبكي إلكتروني شفاف ومباشر مع الجهات الإيرادية (الموانئ، المصانع، شركات الاتصالات) لكي تظل الأرقام الحقيقية للإيرادات ضبابية وقابلة للتلاعب والاجتهاد الشخصي.
ثانياً: آلية الهدر.. هندسة الصرف خارج القانون
إذا كانت الإيرادات تُحصل بالمليارات فإن آلية الصرف داخل وزارة الشباب والرياضة وصندوقها تُمثل نموذجاً صارخاً لـ "التجريف المالي". رصدنا أبرز قنوات هذا الهدر:
1. بند "المرونة والمساعدات" (المظلة الشرعية للنهب)
يتم استغلال بند "المساعدات وصرف المكافآت" لتمرير مئات الملايين سنوياً لشخصيات نافذة، وإعلاميين وموالين، ومسؤولين في جهات حكومية أخرى تحت مسمى "مساعدات علاجية" أو "مكافآت مستشارين"، وهي مبالغ قانوناً هي حق حصري لدعم الأندية وشراء المستلزمات الرياضية للشباب.
2. غسيل الأموال عبر "العهد المعلقة"
تُصرف مبالغ هائلة تحت بند "عهدة مالية" لمسؤولين في الوزارة أو قيادات اتحادات لتنفيذ أنشطة أو للسفر. الصدمة هي أن هذه العهد لا تُصفى قانونياً، بل تظل معلقة لسنوات، ثم تُقيد في نهاية المطاف بقرارات تسوية استثنائية تحت مسمى "نفذت المهمة"، دون تقديم فواتير حقيقية أو وثائق فحص من الجهاز المركزي للمحاسبات.
3. بدلات السفر والوفود الفائضة
في كل محفل أو مشاركة خارجية، تفوق أعداد الإداريين والمرافقين وسماسرة المناصب أعداد اللاعبين أنفسهم! يُصرف لهؤلاء آلاف الدولارات كبدل سفر يومي ونفقات إقامة من أموال الصندوق، بينما يتقاضى اللاعب (صاحب الإنجاز الحقيقي) النزر اليسير وبلقطات مذلة تُظهر غياب الزي الموحد أو التغذية اللائقة.
ثالثاً: أسباب التعثر المستدام.. لماذا لم تقم للوزارة قائمة؟
الفساد في هذه الوزارة ليس وليد اليوم، بل هو نتيجة منظومة إدارية تراكمية صُممت لتعطيل الإنتاج وتفعيل الاستهلاك الشخصي:
غياب الرقابة القبلية والبعدية:
غياب ممثلي وزارة المالية الأكفاء، وتعطيل دور الإدارة العامة للمراجعة الداخلية بالوزارة، جعل قرار الصرف محصوراً في رغبة "الوزير والمدير التنفيذي للصندوق"، دون قيود تفرض جدوى الصرف.
المحاصصة وسياسة الولاءات:
تعيين قيادات الوزارة والوكلاء ومدراء العموم لا يخضع لمعايير الشهادات الأكاديمية الرياضية أو الخبرة الإدارية، بل يُنظر للوزارة كـ "حصالة تجارية" يتم تقاسم المقاعد فيها لاسترضاء أطراف سياسية أو قبلية معينة.
تدمير البنية التحتية الممنهج:
ملاعب مدمرة، صالات مغلقة تحولت إلى مخازن، وبيوت شباب مهجورة. الوزارة تفضل عدم ترميم هذه المنشآت لأن "مشاريع المقاولات والترميم" تمثل بوابة كبرى لعمولات العقود، وعندما يتم الصرف على منشأة، تكتشف بعد أشهر أنها رممت ديكورياً فقط بمبالغ فلكية.
رابعاً: الاستراتيجية الإنقاذية والحلول الجذرية
لا يمكن إصلاح واقع الشباب والرياضة بـ "تغيير الأشخاص"، بل بـ هدم المنظومة الحالية وإعادة بنائها
استقلال الصندوق وتأميم موارده:
إصدار قرار بمنع الصرف من صندوق رعاية النشء لغير الأنشطة الشبابية والرياضية المباشرة (ملاعب، أدوات، بدلات لاعبين)، وتجريم الصرف لوزارات أو جهات أخرى تحت أي مبرر.
إحالة ملف العهد إلى نيابة الأموال العامة:
إيقاف مرتبات ومخصصات أي مسؤول (حالي أو سابق) لديه عهدة مالية لم تُصفَّ خلال 30 يوماً، وإحالته للمحاكمة بتهمة تبديد المال العام.
تفعيل الرقابة الإلكترونية:
من اجل تفعيل الرقابة الالكترونية يجب إلزام الصندوق بنشر تقرير مالي "ربع سنوي" شفاف في الموقع الرسمي للوزارة، يوضح بالرقم والريال: كم حجم الإيرادات؟ ومن الجهات التي وردت؟ وأين صُرفت تفصيلاً؟
توجيه الدعم للقواعد (الأندية):
بدلاً من بعثرة الملايين على ديوان الوزارة المتضخم بالموظفين الوهميين، يتم تحويل الدعم مباشرة للأندية الرياضية في المحافظات بناءً على تصنيفها ونشاطها الفعلي على الأرض.
خلاصة الكلام :
إن استمرار الصمت على ما يحدث في وزارة الشباب والرياضة وصندوق النشء هو تواطؤ مباشر في تدمير طاقات جيل كامل. المليارات موجودة، لكنها تذهب لجيوب النخبة الإدارية بينما يفترش أبطالنا الأرض في المطارات. إنها أزمة ضمير إداري تتطلب بتر يد العبث لتعود للشباب حقوقهم المسلوبة
جميعنا نشاهد الانتكاسات المتواصلة والاتهام بعدم وجود دعم مالي الا أن الحقيقة غير ذلك فالمال المخصص للنشىء والشباب والرياضة يصرف في غير محله لذلك لن تقوم قائمة للرياضة اليمنية في ظل مثل هذا التخبط